في فلسفة الأثر عند جاك دريدا تتداخل مفردتا الحضور والغياب، وهذا التداخل يقف ضد وهم فلسفة الحضور الغربية بوصفها الأصل الكامل والنهائي للأشياء. صادف في عام 2023 أنني كنت أعمل في مدينة شحات لشهرين متواصلين، وقد وفر لي هذا العمل فرصة التردد، من وقت لآخر، على آثار مدينة قورينا التاريخية، […]
المدونة
البحث عن اللُّقى الأثرية هو جزء من بحث الإنسان عن كل ما هو موجود في الخارج. الباحث عن اللُّقى الأثرية شخص حزين يبحث عن حجر غريب وجميل يبعده عن معنى الغياب. للُّقى الأثرية تاريخٌ مزدوج، أحدهما أفقي وينظر إلى الأفق الممتد وسطح الأرض الذي يجعل كل شيء في متناول اليد، […]
تعرف شجرة الطلح جيدًا معنى الزائل والدائم. شجرةُ الطلح تعرف الأعراق والأودية والشعاب حتى قبل أن تولد الصحراء، وتعرف متى وُلد الجفاف الذي علّم الأرض فنَّ الموت. تعرف شجرة الطلح تفاصيل الحكاية ونغمة وداع الماء منذ زمن بعيد. وتحكي عن الكيفية التي نسيت بها الطبيعة لغتها الحميمة، ونسيت معها القوارب […]
من وجهة نظر البعض كان ظهور فن العصر البليستوسيني وإبداع الفن الصخري مرتبطًا بالتغيرات العالمية، مثل سبل العيش والهجرة والتنظيم الاجتماعي، أما من وجهة نظرنا فإن السبب مرتبطٌ بالمناخ والتغيرات المناخية التي تحولت إلى كابوس يحتاج إلى قوة خارقة للطبيعة من أجل السيطرة عليه، وإذا تحدثنا عن العصر البليستوسيني بالمعنى […]
ما هي المغرة؟ من الناحية الإثنوغرافية، تعتبر المغرة أكثر أنواع الصبغة استخدامًا في الفن الصخري، وهي مصطلح عام يطلق على كل تربة حديدية أو طين أو صخر يحتوي كمية كافية من أكسيد الحديد أو هيدروكسيد الحديد. تم استخدام المغرة لأول مرة في إفريقيا وأصبحت جزءًا من السياق الرمزي في الفن […]
في أرض الحكاية التي تقطعها خطواته المتعبة والحالمة، يُفتن الإثنوغرافي على الدوام بوعد المسافر في المجاهل وراء السراب البعيد الذي يتلألأ في عينيه وسط بقاع العطش النائية، حيث لا ماء يمكن أن ينقذه سوى ماء الخيال. فالممارسة الإثنوغرافية هي حدِّية الوقوف بين عوالم متعددة تمنحه طبقات متنوعة من الرؤى الذاتية […]
بالنسبة لبليني الأكبر، الفيل حيوان مدلل، إذا أصغيت إليه جيدًا تكتشف أنه يحب الفيلة، وتشعر أنه قد نظر إليها يومًا ما وهي تقف تحت القمر الرمادي، وهي ترفرف أذنيها. كان بليني يقول في نفسه: هذا الأخدود الصغير الذي يسمى الأرض، لا يكفي ليستوعب هذه البراءة بحجمها الكبير. في كتابه التاريخ […]
يقول الصحفي ستيفن شيف “في قلب التاريخ الجيد، يوجد سر صغير ماكر وهو الحكي الجيد.” إن الحكي الجيد يمنح المادة حرارةً وتجسيدًا، والمكرُ أن تكون هذه الحكايةُ ذات دلالةٍ يعمل من خلالها الخيال وسيطًا يحمي ذاكرتنا من الجفاف. عند سرد التاريخ من المحبط أن نكتفي بتعداد فقر الوقائع. وهذا يدفعنا […]
لقد بحث علم الآثار في نفق الأبدية، وبمرارة لا تطاق عن مخرج من الفهم التقليدي للموقع الأثري، وأيضًا هناك بحث جاد عن سردية جديدة تأخذ مكان السردية القديمة، التي يُقدمها علماء الآثار من البقايا المادية للماضي، خلال هذا البحث يجب الاهتمام بالأماكن الأثرية وليس البقايا المادية، في الأركيوشعرية التي اتخذناها […]
حينما يسألني الناس لماذا قررتُ فعل ذلك، أردّ عليهم عادةً: ولِمَ لا؟!” الرحلةُ ما هي إلا هذا الجواب ـــ جواب الإرادة الحرة والنزوع إلى الاختلاف. وما كان مختلفًا في تجربة روبين ديفيدسون* هو أنها أرادت أن تقول للأرض: أنا طفلتكِ. منذ عام، كانت روبين الرحالة قد وصلت إلى مدينة أليس […]
منذ الآلاف السنين رسم ونقش الإنسان على الصخور، وعلى جدران الملاجئ، وفي الهواء الطلق، رغم احتجاج البعض على تسمية هذه النقوش واللوحات باسم الفن الصخري، إلا أننا نرى أنه الاسم الوحيد الممكن، لأن الرمز شيء يمثل شيئًا آخر بالارتباط أو التشابه أو الاصطلاح، وخاصة إذا كان جسمًا مرئيًا يُستخدم لتمثيل […]
القليب* مكان مرجعي في هذا النص ويشير إلى مكان حقيقي، وما سأقوم به هو نزع الواقعية عن هذا المكان الذي يظهر أمامك كجسد جميل لفكرة الصمت، يجلس لقليب بهدوء وسط حوض صخري غامض بقدر ما هو عصي على الفهم، يُقال أن هذا الجبل جاء على شكل رجل يمشي على قدمين […]
الرؤوس المستديرة هي أكثر مجموعة تم الحديث عنها في الفن الصخري الصحراوي، ولا أحد يعرف على وجه التحديد حجم الخيال المفرط الذي ارتبط بهذه المجموعة، كان هنري لوت قد حول مجموعة الرؤوس المستديرة إلى ضباب غطى وجه العالم، وبصوته الناعم قدم مجموعة من الأساليب الرئيسية التي استخدمها أصحاب الرؤوس المستديرة […]
في فضاءٍ فظّ وجاف يمنح للصمت قوّة المعنى، وكأيّ متأمّل أثناء المشي ظل يساورني إحساسٌ بالفراغ. كنت أنظر إلى التكوينات الناريّة الخامدة، ونحن على ارتفاع ستمائة متر وسط المآوي المتناثرة، وبين أحجار البازلت السوداء التي تتنفّس من رئتها خشونة الذاكرة الجيولوجيّة وبطء الزمن المنصهر فوق سطحٍ لا يرحم. في تلك […]
كتب عالم الإثنوغرافيا جيرالد د. بيرمان في كتابه “هندوس الهيمالايا”: “كانت ظروف المعيشة في القرية بدائية حتى بمعاييرها المحلية، وهو ما دفعني لرفض فكرة نقل عائلتي إليها بشكل دائم. باستثناء فترة أربعة أشهر تقريبًا كنت أملك فيها سيارة من نوع جيب غير موثوق بها، وكنت أستطيع القيادة عبر طريق ناءٍ […]
The post discusses the concept of mythology in relation to space, memory, and identity, particularly through the lens of historical journeys like Herodotus' explorations. It highlights the intersection of ethnography and narrative, emphasizing the cultural and personal dimensions of myth-making, particularly in the Libyan context, through individual experiences and storytelling.
في مقال بعنوان: “ماكوانا صانعة المطر ” يقول كاتب المقال: بول ج. بان: “كانت ماكوانا التي يعني اسمها حرفيًا أم الأطفال، وفي جوهره يعني أم كل الناس، من أقوى صانعات المطر في وسط إفريقيا، كانت ماكوانا تترأس مجمعًا للمطر (مزار) له نفوذ يمتد على معظم أنحاء وسط ملاوي، كان ينظر […]
في الليل يكون المعنى أقربَ للتجلّي أمام الحوار الطويل للنهار. الكلمات في ظلام وادي تاجنت تصبح أكثر برودة، والعاطفة أقل إيلامًا في النظرات العابرة التي تستكين دون أن تقف على شيء ــ أَصحيح: «عندما لم يعد بمقدور الإنسان أن يتأمّل، راح يُفكّر؟»1. وسط السكون المهيب للعراء، كان امحمد بوخزام يمدّد […]
“في عام 2006م، كنا مدفوعين باستياء متزايد من وضع نظرية علم الآثار، على الرغم من الأهمية التي تُمنح لها في أقسام علم الآثار الجامعية في العديد من دول أوروبا الغربية، وحدّنا جهودنا لتنظيم جلسة استفزازية خلال الاجتماع السنوي الثاني عشر للجمعية الأوروبية لعلماء الآثار في كراكوف. وكما فعل رولان بارت […]
تقدم لنا إحدى لوحات وادي عويص في الأكاكوس أشياءً أكثرَ مما نحن قادرون على استيعابها، كل متأمل في اللوحة يشعر بأنها مفتوحة على أفق الحرب والقتال، أقواس وسهام ورماح وربما نشعر بتأثر عميق بسبب المشهد الدموي. كل لوحة تظهر فيها السهام والرماح في الأكاكوس وغيرها من مواقع الفن الصخري، نجد […]
في منطقة سييرا نيفادا الجنوبية بالولايات المتحدة الأمريكية؛ أوضح تصريح من أحد المخبرين من قبيلة مونو الغربية: “كان المعالجون، بوهاج … يرسمون أرواحهم (أنيت) على الصخور لإظهار أنفسهم، ولتمكين الناس من رؤية ما فعلوه، لدى قبيلة كوسو شوشون ومجموعات أخرى، نُسب فن الصخور إلى “أطفال الماء” وبين قبيلة توباتولابال المجاورة […]
دخلت القافلة المحملة بكل غريب وعجيب من بوابة مرزق الكبرى، كان الناس ينظرون إلى العرش الذي يحمله جمل ضخم وقد دُهش الناس بلونه الأحمر الداكن، العرش كان هدية ستقدم لملك بورنو، جمل آخر كان يحمل ما هو أكثر غرابة في عيون أهل مرزق، ساعة بندول كبيرة، لم يتوقع أحد أن […]
الأرض هذا الجيب المنسي في معطف حياتنا اليومية، نحن دائمًا في انتقال على وشك الحدوث، من البيت إلى الشارع، من الشارع إلى المكتب، ومن المكتب إلى المقهى، كأن كل هذه الانتقالات اليومية لا تحدث على الأرض، بل في خيالنا فقط، كأن الجغرافيـا لا علاقة لها بالأمر من قريب أو بعيد. […]
كانت مقابلتي بـعبد اللطيف المهدي، وسؤالي له عن العزلة، أمرًا غريبًا بالنسبة له، وبدوري كان استغرابه من هذا السؤال يشغلني كثيرًا. في تلك الليلة، عند النوم، كنت أفكر في موقعي ككاتب اعتاد على حياة الغرف وشوارع المدينة المزدحمة، وكأن حاجزًا كان بيني وبين عبد اللطيف لا بدّ أن يتحطم. في […]
في طفولتنا جميعًا، كان التعلق بالمجلات الكرتونية المصورة للأبطال الخارقين محوريًا لفتح قنوات الخيال والمغامرة. ولم تكن الطيران، أو طي وتحطيم البوابات الفولاذية وحمل الشاحنات الثقيلة وحدها هي السمات الأبرز لدى قوى هذه الشخصيات، بل تتعدى هذه القدرات لتصل إلى السيطرة الذهنية، قراءة الأفكار، والاختفاء أيضًا لإتمام مهمات الإنقاذ الشاقة. […]
حينما كنتُ طالبًا جامعيًا، لم تكن الأنثروبولوجيا تعدني بالكثير، أو على الأقل بالتفكير فيها كتخصص إلى جانب تخصصي علم الاجتماع، وذلك بسبب غيابها عن الجامعات الليبية. فقط مقدمة عامة حولها وبعض الملخصات التي كنت لا أحرّكها من مكانها إلا عند الذهاب إلى محاضرة منتصف الأسبوع، وحتى بعد أن تحصلتُ على […]
إن الإصغاء إلى الأرض فنٌّ يمارسه المشّاء بفعل الحركة المتدفقة؛ تلك الحركة الساخنة والسائلة للروح التي تعيد صياغة ارتباطها بالأمكنة. إنها شعرية الاتصال التي تقفز وراء مادية الجسد والحدود الجغرافية؛ قفزةٌ تصنعها كلماتٌ لا تتوقف، مثل خطوات المتعلّق بالأرض في كل رقعةٍ يستكشفها. أمام هذه الخطوات الدؤوبة تقف جغرافيا المؤسسات […]
في كل حكاية هناك حنين إلى زمنٍ محجوب، إلى أرضٍ موعودة لا تقترح سوى الألم شرطًا لقبولنا، وإلى فكرةٍ غامضة ترى في الخلود اكتشافًا للمعنى. في العوالم الشامانية ترقص الحياة والموت في دائرة واحدة، ويجري نهر الجسد عبر الرؤى إلى فضاء تُفتح فيه بواباتُ النجومِ مقابضَها، لتنصت الروح إلى سرّ […]
بعد عودته من البرازيل كان كلود ليفي شتراوس يقضي معظم وقته في تصنيف القطع التي عاد بها من هناك، وفي وقت فراغه كان قد بدأ في كتابة رواية، لكنه توقّف عن كتابتها بعد خمسين صفحة. وكان عذر ليفي شتراوس عن إكمالها هو افتقاره إلى الخيال. لم يتبقَّ من الرواية سوى […]
في أوائل خمسينيات القرن التاسع عشر، كان الكاهن أفاكوم يسير في طريقه إلى أرض شعب إيفينكي رعاة الرنة. كان الكاهن يسير وهو يشعر بالهواء البارد يملأ رئتيه وهو يصعد تلًا صغيرًا. كانت كلمات بطريرك الكنيسة الأرثوذكسية الروسية الخاصة بنفيه إلى وسط سيبيريا تفرض نفسها على تفكيره. لم يكن في عقله […]
لماذا علينا اليوم إعادة النظر في طبيعة التاريخ؟ إن هذا السؤال يطرح شعريةَ العودة إلى الماضي كمجال مفتوح على السرد الذي يتجاوز خطيّة الأحداث التي تقودنا إلى خزانة الوقائع المغلقة؛ تلك الوقائع الرافضة لتراكب العلوم الإنسانية وتداخلها من أجل تصوّرات أكثر انحيازًا لفهم الإنسان الذي أشعل نار الذاكرة الأولى لابتكار […]
الخريطة أداة لتحديد الاتجاهات والأماكن والحدود. بنظرة واحدة إلى خريطة ليبيا يمكن أن ترى الصحراء كلها؛ الجبال والسهول والأودية. بنظرة واحدة يمكن أن ترى 1,760,000 كيلومترٍ مربّع. كلمة خريطة مشتقة من الكلمة اللاتينية charta التي تعني “الورق”. الخريطة مجرد ورقة، لكنها تعكس صدى عميقًا في نفوسنا عن الأرض التي نعيش فيها. يمكن أن تثير فينا مشاعر […]