
وهم الحرب في لوحات الأكاكوس
مقال: الشامانية، محمد عبدالله الترهوني
تقدم لنا إحدى لوحات وادي عويص في الأكاكوس أشياءً أكثرَ مما نحن قادرون على استيعابها، كل متأمل في اللوحة يشعر بأنها مفتوحة على أفق الحرب والقتال، أقواس وسهام ورماح وربما نشعر بتأثر عميق بسبب المشهد الدموي. كل لوحة تظهر فيها السهام والرماح في الأكاكوس وغيرها من مواقع الفن الصخري، نجد لها ذات الوصف المعتاد “منظر قتال أو منظر قنص”، لقد تم تفسير هذه اللوحات على أساس واقعي يصف الرماح والأقواس والرابح والخاسر، وهذا الأمر ينطبق على الكثير من لوحات دور الحصان لارتباطه بظهور الرمح ذو الرأس المعدني، ولكن إذا نظرنا إلى هذه اللوحة (شكل 1) من منظور شاماني؛ فإننا قد نقف عند سمات لا يمكن تفسيرها على أساس واقعي، ولنتوقف قليلاً عند “رقصة الطب عند شعب إكونغ بوشمان” من أجل النظر إلى الأمر من زاوية مختلفة:
“غاو نيا هو الإله العظيم لشعب كونغ، خالق كل شيء والمسيطر عليه. غاو نيا ذو طبيعة ثنائية، فهو مانح الحياة ومانح الموت الذي لا يقترب من الإنسان، ولكنه يتدخل باستمرار في حياته، مُرسلاً الخير والشر وفقًا لإرادته، وليس وفقًا لاستحقاق هذا الإنسان. لدى غاو نيا رسل لتنفيذ أوامره، ولديهم شيء من الاستقلالية في العمل تعكس ازدواجية سيدهم، لهذا غالبًا ما يتوسل الكونغ إليهم طلبًا للرحمة … أثناء رقصة الطب عادةً ما يكون غاو نيا ومساعدوه غاوا-سي مختبئين في الظلال خلف حلقة الرقص، لقد أرسلهم غاو بالمرض والموت، إن محاربة غاوا-سي مع المرض والموت الذي قد يجلبونه هو جزء لا يتجزأ من وظيفة رجل الطب، ولطردهم يظهر رجال الطب عدوانيةً وعنفًا لا يظهرونهما في الحياة اليومية. يندفعون في اتجاه الظلال، يرمون العصي وهم يصرخون ويلعنون ويصيحون في وجه جالبي الموت ليذهبوا ويأخذوا معهم شرورهم”[1].

1- Wadi Awis, by shefa salem
أما لويس ويليامز فيقول: “من المحتمل أن تكون الأسهم الكثيرة الطائرة في اللوحة غير حقيقية، بل تصور سهام المرض”[2]. في التفسير الشعري للوحات ونقوش الفن الصخري لا بد من وضع الاستعارة في الحسبان، فعلى الرغم من الاختلافات اللغوية الكبيرة استخدمت لغتا إكونغ الحديثة ولغة زام الجنوبية المنقرضة الكلمة نفسها للدلالة على كل من القتال وكمية خطيرة من الفاعلية، “لذا يمكن تفسير أن اللوحة تصور قتالاً كاستعارة من لغة سان للدلالة على فاعلية شديدة التركيز، وثمة احتمال آخر، ربما يكون أفضل، وهو أن اللوحة تصور قتالاً هلوسيًا بين مجموعة من المعالجين الروحيين، فقد اعترفت جماعات سان الجنوبية بفئة من المعالجين الذين كانوا يطلقون سهام المرض عمدًا على أعدائهم”[3].
لمزيد من الفهم دعونا ننظر إلى لوحة من لوحات شعب سان فـي جنوب إفريقيا (شكل2) يقول لويس ويليامز أن في اللوحة مأوى، داخل هذا المأوى هناك شخصية مركزية مستلقية وترتدي رداءً طويلاً، وهو النوع الوحيد من الأردية لدى شعب سان، اللوحة تجسد رقصة فيها أشخاص يرفعون عصيًا فوق رؤوسهم، تضم حلقة الراقصين مجموعة من الذكور وفي الدائرة الخارجية توجد أقواس وسهام وعصي ورماح، وتفسير اللوحة بالنسبة للويس ويليامز هو أنها تمثل رقصة بلوغ فتاة، وهو نفسه يقول أنه لا يوجد دليل على أن مثل هذه الرقصة كانت تقام بالفعل لدى قبيلة أكسام، لكن هذا التفسير يتفق مع ما ذكرته مرشال حول هذه اللوحة، ويشير ويليامز إلى أن الفتاة تبقى منعزلة في كوخ الحيض الذي تقام حوله رقصة ثور الأيلاند، كما يشير ويليامز إلى أن العصي من المحتمل أنها تستخدم لتمثيل قرون الظبي، وينتهي إلى أن الرقصة ما هي إلا محاكاة لسلوك تزاوج حيوان الأيلاند.

2- James David Lewis-Williams
ربما كنّا سنبدو مقتنعين تمامًا بما قاله ويليامز، لو أنّنا لم نقف عند لوحةٍ أخرى لشعب سان، تكلم لويس ويليامز نفسه عنها في مقال بعنوان: “حلم الأيلاند: عنصر غير مستكشف من الشامانية وفن الصخور لدى شعب سان”[4]. اللوحة (شكل 3) من منطقة ناتال دراكنزبرغ – جنوب إفريقيا ويصف ويليامز اللوحة قائلاً:
“اللوحة تصور رقصة علاجية. في المنتصف يضع شامان راكع على مريض مستلق، قد يمثل الخط المحيط كوخًا أو مفهومًا غير مفسر، وقد يمثل أيضًا انتشار الأسهم في الجزء السفلي من اللوحة “أسهم المرض” التي كان يُعتقد أن الشامان الخبيث يطلقها على الناس”.
يعتقد ويليامز أن الشامان قادر على حماية الناس أثناء نومهم كما كان يفعل في حالة النشوة، ويذكر في نفس المقال أن المخبر قال:
“على الرغم من أن الشامان نائم، إلا أنه يراقب ما يحدث في الليل: لأنه يريد أن يحمي الناس من الأشياء التي تأتي لقتلهم، وبسبب هذه الأشياء، فهو يراقب الناس لأنه يعلم أن الشامان الأخرين يسيرون ليلاً لمهاجمة الناس ليلاً”.

3- James David Lewis-Williams
الحقيقة هي؛ أننا لم نقف على كلام مماثل للكلام الذي ورد في نص ويليامز، والمعروف أن حالة الوعي المتغيرة مرتبطة برحلة إلى بعد آخر مرتبط بجلب المطر، والشامان المعالج لديه نوع آخر من الطقوس يقوم بها، الأمر الأخر هو أن الذي مع الشامان امرأةً وليس رجلاً وهذا واضح من التشريح الجسدي، هذه المرأة يطلق عليها المرأة الحاميـة للشامـان وتكـون معه أثناء دخوله في حالة وعي متغيرة، هـذه المرأة تحميه من المـوت وقـادرة على إخراجه من الغيبوبة العميقة في اللحظة المناسبـة، وفـي (شكل4) لوحة من الأكاكوس نرى المرأة الحامية في نفس الوضعية، وتقوم بدورها في حماية الشامان، لم يتحدث ويليامز عن أن حالة الانتصاب التي تعتبر إحدى العلامات المصاحبة لحالة النشوة، والغريب أن العصي والسهام في الطقس الخاص بالفتاة في كوخ الحيض كانت للحماية من سهام المرض، وفي اللوحة التي نتحدث عنها هي أيضًا للحماية من سهام المرض، ونحن لا نعتقد أن السهام صالحة للعمل في كل الطقوس والمناسبات.

4- Uan Muhuggiag, by shefa salem
في لوحة (شكل 5) من وان أميل في الأكاكوس، نجد الطقس الخاص ببلوغ فتاة، وهو نسخة طبق الأصل من الطقس الموجود في جنوب إفريقيا، الفرق هو أننا نرى رجل يمسك بيد الفتاة ويقودها إلى مأوى خاص بهذا الطقس، وهذا يمنع أي شك في أن الطقس هو بلوغ وأن المأوى هو كوخ الحيض، أمام المأوى هناك امرأة في استقبالها للإشراف عليها في فترة عُزلتها، واللافت للنظر هو أن كل من في الطقس من الذكور وليس هناك سوى امرأة واحدة وهي المكلفة بالإشراف على الفتاة، أيضًا هناك مجموعة من الرجال الذين يرتدون الأردية التي يفسرها توماس أ. داوسون “بأنها كائنات هجينة بين الإنسان والحيوان وتمتلك قوة خارقة”[5]. حول أصحاب الأردية، رجالٌ يحملون سهامًا وأقواسًا، وفي الأعلى شامانٌ يساعده اثنتان من النساء في رحلة عودته إلى مأواه، والأهمّ من كلّ ذلك ثورُ المطر الذي يظهر في أعلى اللوحة. التساؤلات التي تطرح نفسها الآن:
لماذا السهام والأقواس موجودة في طقس بلوغ فتاة وليس له علاقة بالمرض أو الحرب؟ ولماذا في لوحة كوخ الحيض من جنوب إفريقيا يوجد الأيلاند وهو حيوان مطر؟ وفي لوحة وان أميل أيضًا يوجد ثور وهو حيوان مطر؟ وفي لوحة من وادي عويص (وهي اللوحة الأهم في مقالنا) هناك ثور وخروف بري وهما حيوانات مطر؟
في معرض حديث ويليامز عن الفتاة في كوخ الحيض يقول:
“الفتاة في فترة عزلتها يُطلب منها أن تأكل وتشرب باعتدال، ولضمان هذا الوضع، كانت النساء الأكبر سنًا يضعن الطعام في فمها، وكانت تشرب من قصبة موضوعة في ثقب صغير جدًا، في بيضة نعامة مملوءة بالماء. إذا تم اتباع هذه الممارسات، فسيأكل ويشرب جميع أفراد القبيلة في المستقبل باعتدال، ولن تكون هناك وفرة ولا مجاعة، وكان عليها أن تتعامل مع ماء المطر باحترام خاص، إذا لم تفعل ذلك، ستعاني من مصائب خطيرة، وستجف حفرة الماء، تاركة القبيلة بأكملها بلا ماء“[6].
إن الأمر كله يتعلق بالماء والمطر، ونحن نعلم جيدًا أن المرأة الحائض موجودة في طقوس المطر لأن حيوان المطر يحب رائحة دمها، وإذا كانت الفتاة حائضًا لأول مرة، فهذا يعني أنه عليها أن تتعلم واجباتها تجاه المطر وحيوان المطر، وعلى المرأة المشرفة على الفتاة أن تقوم بتعليمها كيفية الدخول في طقس جلب المطر وصيد حيوان المطر.

5- Uan Amil, by shefa salem
في لوحة وادي عويص كل السمات شامانية، بدايةً من الشكل الهندسي في أعلى اللوحة على اليسار، وهو شكل يجسد الماء من خلال النقاط و الخط المتموج وهي رموزُ المطر والماء، من الشامان المستلقي وبجانبه امرأةٌ حامية تمثّل دائرةَ العبور والذهاب والإياب، إلى شامانٍ آخر في كوخٍ أو مأوى ترافقه المرأةُ الحامية، ورجال يرتدون قرونًا، يتوسّطهم قوسُ قزح. ورموز لقرون الخروف البري تهبط عموديًا على يمين اللوحة، وهي ترمز لطيران الشامان خلال تجربة الغيبوبة (شكل6).
نأتي الآن إلى مسألة السهام والأقواس، التي يربطها الكثيرون بالحرب. هناك أسطورة لدى شعب سان تقول:
“المطر في هيئة ظبي أيلاند، يُصطاد بسهم من قبل أحد أفراد السلالة القديمة من البشر، منذ زمن بعيد اصطاد رجل إخوا المطر بينما كان يرعى ويقضم العشب بهدوء، في ذلك الوقت كان المطر يشبه ظبي أيلاند، تسلل الرجل حيث المطر وأطلق عليه أحد سهامه، قفز المطر عندما أصابه السهم وانطلق هاربًا، ذهب الرجل إلى المكان الذي أصاب فيه السهم المطر، وجد السهم وأعاده إلى حقيبة صيده وعاد إلى المخيم، وهناك استلقى ونام، في الصباح الباكر أخبر من معه أنه رمى المطر بسهم، فخرجوا جميعًا في أثر المطر، وبينما كانوا يتعقبون أثر المطر الجريح، تصاعد ضباب لفترة من الوقت، بعدها وجدوا المطر مستلقيًا اقتربوا منه وعلى الفور بدأوا في تقطيع لحمه، لكن عندما وضعوا اللحم على النار، احترق في النار واختفى فجأةً، وعندما فتشوا الجمر بحثًا عن اللحم وجدوه قد تحول إلى رماد، وفي النهاية اختفى اللحم وانطفأت النار”[7].

6- ©David Lewis-Williams
هذه الأسطورة تقدم العلاقة بين الشامان والسهم والقوس، أيضًا تربط بين دم الفتاة ودم حيوان المطر، في مقال بعنوان: “الإثنوغرافيا، والشامانية، والفن الصخري في أقصى غرب أمريكا الشمالية” : يقول ديفيد أس. ويتلي: “هذه النقوش البشرية المزخرفة (شكل 7)، هي صور ذاتية لشامانات تحولوا إلى هيئاتهم الخارقة للطبيعة، مرتدين أردية طقسية رسمت برموز قوتهم (الصور الهندسية/ البصرية التي رأوها أثناء الغيبوبة). يرتدي الشكل المركزي الكبير غطاء رأس من ريش السمان، وهو غطاء رأس طقسي خاص بشامانات المطر، وهو يحمل قوسًا وسهمًا، تستخدم في طقوس جلب المطر”[8]. تكشف هذه الأسطر أنّ القوس والسهم هما أقدمُ أدوات الشامان لجلب المطر، وأنّ الأشخاص ذوي الأردية هم كائناتٌ هجينةٌ ذات قوة خارقة، وأنّ طقس البلوغ الذي يتحدّث عنه لويس ويليامز هو طقسٌ خاصٌّ بجلب المطر عن طريق صيده، كما فعل الرجلُ من السلالة الأولى، وليس ثمّة أيُّ تصوّرٍ لوجود حربٍ أو قتال.

7- ©David S. Whitley
أخيرًا يجب أن نتحدث عن الآلات الموسيقية في جدارية وادي عويص، في حدود معرفتنا هناك الكثير من الأدبيـات حول الموسيقى فـي الفن الصخري، لكن اخترنا هنـا مقال “الأقواس الموسيقية في الفن الصخري: في جنوب إفريقيا” الذي كتبه كل من : أوليفر فوغلز و تيلمان لينسن-إرز، وتحدثا فيه عن استخدام الأقواس لعزف الموسيقى كما في (شكل 8)، وكتاب بعنوان: “الموسيقى والغيبوبة: نظرية في العلاقة بين الموسيقى والتملُك” للكاتبان جيلبرت روجيه وبرونهيلد بيبويك، الطبول موجودة في عفار وغيرها من مناطق الفن الصخري الليبي، لكن لم يسبق لنا أن اطلعنا على ما يفيد بوجود آلات نفخ في الأكاكوس أو غيرها من المناطق، لكن في لوحة وادي عويص هناك اثنين من الآلات النفخية، واحدة مزينة بشرائط ينفخ فيها شخص بقرون على يمين الجدارية، والثانية تنفخ فيها امرأة بجانب المرأة التي يشكل جسدها حفرة الماء في وسط الجدارية. في كتاب الموسيقى والغيبوبة يقول الكاتبان: “للموسيقى تأثيران: الأول إطلاق النشوة، الثاني هو الحفاظ عليها”[9].
الشامان يبدأ نشاطه الموسيقي من لحظة تكريسه، الشامان الذي يصل إلى العزف هو الشامان الذي يمتلك كل القوى الخارقة، “الشامان هو موسيقى دخوله في حالة النشوة، بمعنى آخر، الشامان يدخل في حالة غيبوبة ليس بالاستماع للآخرين الذين يغنون ويقرعون الطبول من أجله، بل على العكس يغني ويقرع الطبل لنفسه”[10]، والطبل ليس الآلة الوحيدة التي يستخدمها الشامان، هناك بلدان تستخدم زوج من العصي، وفي بلدان أخرى قيثارة، وعند الهنود الحمر تستخدم خشخيشة، المهم هو أن الشامان يستخدم الموسيقى لاستدعاء الأرواح، لكن في حالة وادي عويص يستخدم آلة نفخ وهي حالة نادرة جدًا، إنها رقصة الغيبوبة واستدعاء الأرواح لصيد المطر وليست حربًا أو قتالاً كما توحي الجدارية.

8- ©Gilbert Rouget
[1] The Medicine Dance of the ǃKung Bushmen- Lorna Marshall-Africa: Journal of the International African Institute, Vol. 39, No. 4 (Oct., 1969), pp. 347-381.
[2] Images of war: A problem in San rock art research-C. Campbell-World Archaeology-2015-p 255-268.
[3] Lbid.
[4] A Dream of Eland: An Unexplored Component of San Shamanism and Rock Art- J. D. Lewis-Williams- World Archaeology, Vol. 19, No. 2, Rock Art (Oct., 1987), pp. 165-177.
[5] Dots and Dashes: Cracking the Entoptic Code in Bushman Rock Paintings-Thomas A. Dowson-Goodwin Series, Vol. 6, Goodwin’s Legacy (Jun., 1989), pp. 84-94.
[6] BELIEVING AND SEEIN-an interpretation of symbolic meanings in southern San rock painting-ames David Lewis-Willia-University of Natal, Durban-1977.
[7] Lbid. 267.
[8] Ethnography, shamanism, and Far Western North American rock art- David S. Whitley- BOLETÍN DEL MUSEO CHILENO DE ARTE PRECOLOMBINO Vol. 28, n.º 1, 2023, pp. 275-299.
[9] Music and Trance: A Theory of the Relations between Music and Possession- Gilbert Rouget & Brunhilde Biebuyck-University of Chicago Press-1985- p 316.
[10] Lbid.126.

محمد عبدالله الترهوني
كاتب و باحث