نزهة في المشهد الروحي لعلم الآثار

مقال: الأركيوشعرية، محمد عبدالله الترهوني

لا تنسى: لا يمكن تحقيق أي تقدم في علم الآثار بمجرد تجميع الاكتشافات
Evžen Neustupný

 

مأزق القطعة الأثرية

 

“في عام 2006م، كنا مدفوعين باستياء متزايد من وضع نظرية علم الآثار، على الرغم من الأهمية التي تُمنح لها في أقسام علم الآثار الجامعية في العديد من دول أوروبا الغربية، وحدّنا جهودنا لتنظيم جلسة استفزازية خلال الاجتماع السنوي الثاني عشر للجمعية الأوروبية لعلماء الآثار في كراكوف. وكما فعل رولان بارت قبل نحو أربعين عامًا حين تحدى التوجه التقليدي الجاهل باقتراحه “موت المؤلف”، متسائلاً عما إذا كان وجود المؤلف ونواياه يعيقان مواجهتنا النقدية للنص الأدبي، قررنا اقتراح جلسة بعنوان: “موت النظرية الأثرية” لتحفيز تساؤلات جذرية حول تطورها المستقبلي. وتساءلنا عما إذا كانت دراسة المجتمعات الماضية من خلال ثقافتها المادية ــ أي علم الآثار ــ ستستفيد بشكل كبير من خلال إهمال النظرية والأيديولوجيا التقليدية نوعًا ما، هذه النظرية والأيديولوجية التي بدأت تعيق مساراتنا لإعادة بناء الماضي على مدى السنوات الخمسة والعشرين الماضية. فهل سيكون علم الآثار أفضل حالًا إذا تجاهل النماذج النظرية الموحدة لصالح تطبيق أكثر حرية للمنهجيات المناسبة لأهدافنا الحقيقية، والتي يرى الكثيرون أنها تتمثل في إنشاء إعادة بناء صادقة لما حدث، ولماذا، وكيف كانت الحياة، بقدر ما يمكننا تحقيقه باستخدام التقنيات الحديثة؟ لذلك، تساءلنا عما إذا كان “موت المنظر الأثري” قد يكون تجربة فكرية محررة”[1].\

 

علم آثار ما قبل التاريخ، كان حتى أواخر خمسينيات القرن الماضي مثل شاشة زرقاء باهتة تومض بطريقة تذكرنا باليأس، ولا أحد في المجال الأكاديمي يتحدث عنه إلا وتشعر بتلك النبرة الكوميدية. كان يمكن أن يتحول إلى أوراق رطبة وعفنة لولا ظهور علم الآثار الإجرائي في بداية الستينيات، إنه واحد من تقاليد الفكرة التي ظهرت لتجاوز تشاؤم علم الآثار النهائي، أهم ما في علم الآثار الإجرائي هو دراسة السجل الأثري في حد ذاته، وليس كمجرد بديل عن نظام ثقافي سابق، لكن علم الآثار الإجرائي واجه تحديًا في أوائل الثمانينيات بسبب ظهور علم الآثار ما بعد الإجرائي، وقد اتضح مع الوقت أن هذا العلم ما بعد الإجرائي لم يسلم من كدمات الشغف المفرط بالسياسة. كان لدى علم الآثار شعور عام بعدم القدرة على تجنب المتاهة وبأنه مساحة فارغة لا تخلو من الصخب، بعدها حاول علم الآثار ما بعد الإجرائي العلمي عكس اتجاه مسار علم الآثار بالدعوة إلى التأويل ونهج تاريخي لما قبل التاريخ، كانت هناك نظريات كثيرة متناقضة حول علم الآثار، لدرجة أن الكثيرين شعروا بالشك في قدرت علم الآثار على تقديم سرديات قاطعة عن الماضي. تكمن إحدى أكبر مشاكل علم الآثار في استيعابه المتزايد للأيديولوجيا، وتزايد القلق تجاه قضايا مثل إدارة التراث، آثار السكان الأصليين، إعادة القطع الأثرية والرفات البشرية، إضافةً لكل ما سبق، في حين كان علم الآثار يحاول النضوج والنمو والبحث عن أدوات عمل جديدة، ظهرت ما بعد الحداثة، التي تحتفي بالتنوع والتعددية والتجزئة وعدم التحديد، وظهورها لم يسبّب خلخلة في محاولة البحث عن التماسك والنظام في علم الآثار وحده، بل إن كل العلوم الإنسانية أصابها الارتباك بسبب أن ما بعد الحداثة ليست نظامًا فكريًا متماسكًا ويسهل تعريفه. لكن أهم ما يميز النظام الفكري لما بعد الحداثة هو التشكيك في العلم الوضعي وكلمة “الحقيقة”.

 

قد يكون النظام الفكري لما بعد الحداثة ليس متماسكًا من وجهة نظر البعض، لكن ما تحتفي به وهو التنوع والتعددية والتجزئة وعدم التحديد ظهرت واضحة في نصوص مفكريها، كان أسلوب كتابة هؤلاء المفكرين متعدد التخصصات ومرحًا بقدر ما هو مستفز، والتحدي الحقيقي الذي أصبح في وجه علم الآثار هو تحويل الكمية الكبيرة من البيانات التي لديه إلى معرفة، وإلى نص متعدد التخصصات يقدم المعرفة، وذو معنى اجتماعي. في كل أقسام العلوم الإنسانية في أوروبا وأمريكا، أصبح العديد من الأكاديميين متعددي التخصصات أو متداخلوا التخصصات، أو غير متخصصين. لقد أدى تفكك التخصصات إلى إكساب العلوم الإنسانية أهمية جديدة مع انتقال الباحثين من فضاءاتهم المعروفة إلى مجالات جديدة ومشتركة، لكن الفكر الأثري لم يتحرر من الالتزام المطلق بالعقائد ووجهات النظر القديمة، والتغيير فيه كان بطيئًا جدًا، وهذا ربما يرجع إلى أن علم الآثار توقف في مفترق طرق بين العلم والعلوم الإنسانية، وشعر بالرعب من التحول إلى موضوع متعدد التخصصات وتغلب ما هو إنساني عليه. لقد وقع علم الآثار في فخ الحلم بالعلمية، بسبب تأثره عند ظهوره بعلم الجيولوجيا وعلم الأحياء، وفي منتصف القرن العشرين، ومع ظهور التأريـخ بالكربـون المشع، اتسع الحلم بالعلمية، وأخيرًا عاش علم الآثـار نشوة الحلم بظهور علم الوراثة. لا بد أن نشير إلى أن هذا الجزء من علم الآثار حكر على الدول والمؤسسات التي تمتلك قدرة اقتصادية عالية، وقادرة على بناء مختبرات مرتفعة الجودة وتدريب أفرادها على استخدام أجهزة متطورة، لكن هذه الاستعارات من العلوم الطبيعية لم تضمن لعلم الآثار أن يكون هو نفسه علمًا. لقد كان هذا الحلم الطيار بالعلمية قد أخذ علم الآثار بعيدًا عن أن يكون هو المهنة التي يحلم الأطفال بممارستها يومًا ما، وتم استبدال هذا الحلم بمقولة كويالكا: “لا علم آثار حقيقي بدون عناصر خيالية، لا علم آثار بدون فانتازيا السفر عبر الزمن”[2]. لقد فقدت القطعة الأثرية الزخم الذي كانت تعيشه بعد ظهور أفكار جديدة لتفسير الماضي وبقاياه. السفر عبر الزمن ليس نكتة أو مجرد خرافة يتم الحديث عنها، السفر عبر الزمن هو المحاكاة الافتراضية التي تتيح لنا لقاءً مباشرًا مع الماضي دون الحاجة إلى القطع المحفوظة من العصور القديمة.

 

في زمن الثورة العلمية الثالثة التي تتمثل في دمج البيانات، وتحليلها من خلال أساليب مستمدة من تخصصات مختلفة، دخل علم الآثار مجال تعدد التخصصات من الباب الضيق بعد أن أكد أن للعلوم الطبيعية اليد العليا، بل إن تعدد التخصصات في علم الآثار غرق في مسائل نظرية، وأدى هذا في كثير من الأحيان إلى تهميش العلوم الإنسانية، أراد علم الآثار أن يكون دقيقًا وحتميًا ومستقلاً عن أي ذاتية أثناء إجراء الملاحظة العلمية، أراد الابتعاد عن العلوم الإنسانية الأقل دقة والأكثر غموضًا التي دائمًا ما تكون عُرضة للتأويل. يبحث علم الآثار عن القطعة الأثرية التي يجدها بالصدفة في لحظة درامية استثنائية، لكن هذه اللحظة تتحول إلى قطعة مادية، مجموعة من البيانات، شيء خلفته المجتمعات البشرية السابقة، تجاهل علم الآثار العامل البشري وركز على القطعة المادية، وعلى وصفها وليس تفسير سبب وجودها، وهذا هو سبب ظهور علم الآثار ما بعد الإجرائي الذي أكد؛ أن الموضوعية لا يمكن بلوغها في علم الآثار، ورسخ انتماء علم الآثار للعلوم الإنسانية التي تركز على الأفكار والمعاني والرموز والتفاصيل والنسبية في فهم الماضي، لقد أدى تجاهل علماء الآثار لافتراضاتهم الخاصة إلى قتل روح هذا العلم، ولأن دراسات الثقافة المادية بحد ذاتها لم تتطور فقد خسرنا معرفة كيف نعيش علم الآثار، لأن هدف علم الآثار يجب أن يكون تطوير معرفة الذات، ومعرفة الحاضر، معرفة تصبح عاملاً للفعل الاجتماعي، وحافزًا على الوعي النقدي للذات، علم الآثار الذي يجب أن نعيشه هو الذي يجعل القطعة الأثرية جزء من سردية شاملة تجيب عن السؤال كيف كانت الحياة في الماضي.

 

مأزق النص الأثري

 

 

أكثر ما كان يثير قلق علم الآثار في ما بعد الحداثة هو: تلك النصوص التي تحتفي بالتنوع والتعددية والتجزئة وعدم التحديد، وأن هذه النصوص تركز على تعدد المعاني داخل مجتمعات الماضي، أيضًا أن الثقافات عبارة عن مجموعة غير متجانسة من التفسيرات المتداخلة والمتضاربة، فهذه الأفكار لا تناسب ميلهم وحصر مادتهم في أنماط وأنظمة وهياكل، وجد علم الآثار نفسه في مأزق بين مفهومي القطعة الأثرية والنص، في علم الآثار القطعة الأثرية؛ هي جوهر أي دراسة، ولكن هذه القطعة لا تتحول إلى مصدر تاريخي بدفعها إلى الفضاء متعدد التخصصات، بل تبقى ثابتة في مكانها ومعها علم الآثار كله، النص وحده قادر على إنجاز هذه المهمة بأخذ القطعة الأثرية معه إلى خارج حدود الخطاب الأثري، علم الآثار يخاف هذا النص لأنه لا يشترط أن تكون الحجج خطية أو أن تكون متسلسلة، بل يجب أن تتلائم بطريقة شاملة في نمط شامل من الخيوط المتماسكة، لقد وقف النص الأكاديمي الكلاسيكي في مجال علم الآثار في طريق تقدم هذا العلم، في أوروبا الكتابة العلمية بالطريقة الكلاسيكية تكون فقط للحصول على وظيفة ثابتة في الجامعة، في البلدان العربية تتحول رسائل الماجستير والدكتوراة إلى كتب في علم الآثار، وهذا ما يفسر أن طلبة هذا العلم أنفسهم يشعرون بالتذمر تجاه الخطاب العلمي الصارم، في منتصف القرن العشرين تم التشكيك في فائدة الأشكال الراسخة للكتابة الأثرية، وربما أكبر قدر من التجريب في الأدبيات الأثرية الأكاديمية ظهر في منشورات الثمانينيات والتسعينيات، التي كان لما بعد الحداثة خلالها تأثير كبير على الأنثروبولوجيا، ويمكن مراجعة هذا التأثير بشكل خاص في أمريكا الشمالية، حيث ينظر إلى علم الآثار عمومًا كفرع من الأنثروبولوجيا.

في عام 1997 أقيم مؤتمر بعنوان: “علماء الآثار كرواة قصص” وأرسل هذا المؤتمر رسالة مفادها أنه من الممكن كتابة نتيجة البحث الأثري بطريقة جذابة، وأن هناك مجالاً واسعًا أمام علماء الآثار لتغيير أسلوبهم، وإحدى أهم نتائج هذا المؤتمر هو أن الكتابة التقنية لم تخدم أبدًا علم الآثار في شيء، وأن التحرر من الوضعية قد منح علماء الآثار فرصة لاتباع نهج تفسيري لا يطلب منهم الإجابة عن الأسئلة الكبيرة، كما أن هذا المؤتمر لفت النظر إلى القيمة العاطفية لمادة عالم الآثار، وإهمال هذه القيمة ساهم بشكل كبير في عدم وصول كتاباتهم إلى عامة الناس، يقول مايكل شانكس في كتاب دليل كامبريدج للخيال:

 

الخيال الأثري قدرة إبداعية تُستخدم عندما نختبر آثار الماضي وبقاياه، عندم نجمع ونصنف ونحفظ ونرمم، عندما نتعامل مع هذه البقايا والمجموعات والأرشيفات لتقديم سرديات، أو إعادة بناء، أو تفسيرات، أو أي شيء آخر، ينطوي الخيال الأثري على حساسية خاصة، وتناغم عاطفي مع تفاعل ديناميكي بين حضور الماضي في البقايا وغيابه … إن الخيال الأثري بوصفه قدرة تخمينية، أو قدرة على تجميع البقايا في أشكال ذات معنى، يعد عنصرًا أساسيًا في تجاربنا مع الماضي”[3].

 

قد يشكل الخيال الأثري نوعًا من فن الدراما، عالم الآثار يعمل بطريقة الكاتب أو مصمم الرقصات أو المخرج المسرحي، إذا تعلق الأمر بتنظيم دوافع وسلوكيات وأفعال أفراد خياليين. إن إعادة بناء الماضي تتطلب أسلوب الكاتب وخيال الدرامي لإعادة خلق صورة خيالية لما كان موجودًا في موقع أثري ما، إن التفكير بهذه الطريقة يأخذ النص الأثري في سياق فهم الجمهور ودعمه، هناك حماس لدى الناس لقراءة رواية تتحدث عن ما قبل التاريخ، وافتتان بأفلام سينمائية تصور حياة ما قبل التاريخ، هذه الروايات والأفلام تستغل فجوة عدم ضعف قاعدة الأدلة الخاصة بما قبل التاريخ، لكنها تقدم سرد خيالي مقنع بالنسبة للمشاهد، وهذا ما يعجز عن فعله أي تقرير أثري لأن السرد لا مكان له فيه.

 

في مقال بعنوان “عالم الآثار ككاتب” يقول جوناثان ت. توماس: “بالنسبة للباحثين المشتغلين بالعلوم الإنسانية والعلمية، فإن التركيز الصريح على الجانب البلاغي لكتاباتهم قد يُنظر إليه على أنه موضع شك، فالقول بأني أركز حقًا على جعل ورقتي مكتوبة بشكل جيد ومثير للاهتمام، أو أنني أتعامل مع أنواع مختلفة من السرديات التاريخية يُساء فهمه بسهولة على أنه ليس منهجية أو بوصف أسوأ ليس علميًا”[4]، الذين لا يشعرون بهذه المشكلة هم الذين ينتجون نصوصًا أثرية لاستهلاكهم الشخصي أو ليتناولها طلابهم دون سماع تعليقاتهم حولها، وهذا التوجه متوارث جيلاً بعد جيل، أما الكتابة العلمية التي يتحدثون عنها فهي مثقلة بالمصطلحات التي ليس لها معنى بالنسبة لجمهور القراء، استخدام الكتابة العلمية التقنية كوسيلة لترسيخ المصداقية أصبح اليوم أمرًا محرجًا، عالم الآثار الذي يعيش عصرنا ستكون لديه رؤى حول موقعه الأثري لكنه لا يستطيع تبريرها تمامًا بناءًا على البيانات، هذه الرؤى يعتبرها عالم الآثار أمر شخصي للغاية ولا يكتبها في التقرير لأنها ليست علمًا، هذا الجانب السحري والغني بالعواطف في علم الآثار ليس له وجود في النص الأثري في بلادنا، يجب طرد كل ما هو شخصي وتأملي من هذا النص بحجة العلمية، يجب أن لا تلفت نظرنا المتعة الحزينة التي تثيرها فينا القطعة الأثرية، لا مكان للتعبير عن الحزن الملهم الذي نشعر به أثناء العمل في الموقع الأثري، لا وجود في نصوصنا الأثرية عن الموقع كمكان حميم نختبر فيه ذاكرتنا الإنسانية، العودة المرة بعد المرة إلى الموقع نبدأ في الشعور بالألفة، مع الوقت يتحول الموقع من مساحة مادية إلى مكان ذو معنى، النص الأثري يخاف أن تتسرب هذه الشعرية إلى نصه، ويخسر صفة العلمية.

 

 

مفهوم الأركيو ـــ شعرية

 

في كتابنا “أرض الجرمنت” طرحنا مفهوم الأركيو-شعرية، كرفض لادعاء الوضعية بالتفوق والتفريق بين التخصصات، وهنا سنحاول توسيع المفهوم بالحديث عن النص الأركيوشعري، ففي غياب هذا النص هناك تمثيلات أخرى سيفهم الناس من خلالها علم الأثار، يرى كورنيليوس هولتورف في كتابه “علم الآثار علامة تجارية” أن أهم مصدر للمعلومات حول علم الآثار هو التلفزيون، ويركز بشكل خاص على المسلسلات في ألمانيا والسويد والمملكة المتحدة، وسلط هولتورف الضوء على مسألة أخرى، وهي تمثيل علماء الآثار في الثقافة الشعبية: “لقد أصبح علم الآثار رمزًا لرحلة استكشافية تتضمن السفر إلى مواقع غريبة، وظروف معيشة وأعمال بسيطة في الميدان، واختبارات ومخاطر غير متوقعة، تليها اكتشافات مذهلة، واستعادة كنوز، وعودة البطل الفاضل إلى الوطن بنجاح”[5]، وهذا المغامر ظهر على شاشات السينما في أفلام مثل أنديانا جونز ولارا كروفت وغيرها من الأفلام، وفي الأدب كثيرًا  ما ظهرت هذه الشخصية في روايات أجاثا كريستي ــ تلبس أحذية عالية وقبعة وتجوب الأفاق بحثًا عن الأثار، أكدت الاستبيانات أن مصدر المعلومات عن علم الآثار هي التلفزيون في المقام الأول، ثم السفر والمتاحف والأفلام والصحف، وفي آخر القائمة تأتي الكتب الأثرية، إذا كان هذا ما يحدث في أوروبا فكيف هو الحال في بلد مثل ليبيا؟

 

هذه الهيمنة للتلفزيون والسينما والصحف تشير بوضوح، إلى أن علم الآثار عاجز على كتابة نصوص جذابة، في حين أن الروايات التي تقدم علم آثار بديل هي الأكثر مبيعًا في العالم، والحال هو أن هذه الروايات ليس لديها خوف من الاستعارة والمزاج والتشبيه، أما نص علم الآثار التقليدي فيشعر بالرعب تجاه هذه الكلمات الخطيرة، فالاستعارة هي ممارسة يشير فيها الخيال السردي باستمرار إلى نمط آخر من الأفكار والأحداث، إنه تمثيل يُفسر نفسه، وهي بالمعنى الواسع تعني أن كل قصة لديها ميل لتوليد قصة أخرى، أما المجاز فيؤكد على أن كل صورة واقعية بقدر ما تكون مقنعة وغنية، هي فالحقيقة استعارة ممتدة، وأنماط من الارتباطات التي تشير إلى معانٍ إضافية متماسكة ـــ المجاز يذكرنا بالقوة الكبيرة للتأويل.

 

لقد شكل الفن الصخري مشكلةً لسجلات علم الآثار وكيفية تفسير هذه السجلات للماضي، وهذا يعود إلى كون الفن الصخري فن ويحتاج إلى التأويل والتفسير كأي فن آخر، لقد أهمل علم الآثار السلوك الرمزي وغير النفعي بحجة عدم القدرة على تسجيله كميًا، وهناك من قال؛ أن لوحات الفن الصخري مجرد ديكور يزين جدران الكهوف أو الملاجئ، وأخر نظر إلى الفن الصخري كسجل للأحداث المهمة وغير المهمة، ووصل الأمر إلى القول؛ بأنها صور شخصية وكاريكاتير فكاهي، ولولا تدخل الإثنوغرافيا والأنثروبولوجيا الرمزية المهتمة بتعدد المعنى لكان الأمر على حاله إلى اليوم، ربما يمكن إهمال الفن الصخري في الغرب لأن هذا الفن نادر، لكن في دولة مثل ليبيا يشكل فيها الفن الصخري أكثر من ثمانين بالمائة من آثارها لا يمكن تجاهل الأمر بكل بساطة، في العشر سنوات الأخيرة أدرك البحث الأثري أن الفن الصخري أهم من القطع الأثرية التقليدية التي يهتم بها علم الآثار، جداريات الفن الصخري أقدم معلومات جوهرية لفهم التطور البشري على مختلف مستويات المعرفة، الفن الصخري هو أكبر دليل ملموس على قدرة البشر على التفكير في أشياء خارج دائرة تلبية الحاجات الفسيولوجية، لأنه يخبرنا كيف فكر أسلافنا في أنفسهم والعالم من حولهم، الفن الصخري هو عبارة عن نصوص تنقل الأفكار والمعتقدات والمعارف والتقاليد، الفن الصخري بالنسبة لأسلافنا لم يكن غاية، بل بوابة زمنية يرسلون لنا من خلالها رسائل تُعد شهادة تاريخية عن حياتهم وتطورهم، إنها الخطوة الأولى نحو الكتابة والفعل المعرفي المعقد، الكثير من الفن الصخري هو في حقيقة الأمر استعارات، وللكتابة عن هذه الاستعارات يجب استخدام الاستعارة والمزاج والتشبيه في محاولة لخلق نص يحاكي النقوش، والأركيوشعرية هي الاندماج والتفاعل مع النصوص التي كُتبت منذ آلاف السنين، بالنسبة للنص الأركيوشعري كل الماضي حاضر فيه، لكنه يقوله بنبرة أخرى وشغف أكثر جاذبية من النصوص المحنطة التي تكره المتعة الخالصة.

[1]  The Death of Archaeological Theory?- edited by John Bintliff and Mark Pearce – Oxbow Books 2011.

[2] The Archaeology of Time Travel. Experiencing the past in the 21st Century- Petersson, Bodil y Holtorf, Cornelius Eds- 2017 – p 297

[3] The Cambridge Handbook of the Imagination- Edited by Anna Abraham-Cambridge University Press- 2020- p 47-61.

[4] Subjects and Narratives in Archaeology- edited by Ruth M. Van Dyke and Reinhard Bernbeck- UNIVERSITY PRESS OF COLORADO- 2015- p 169-187.

[5] ARCHAEOLOGY IS A BRAND- Cornelius Holtorf- Routledge- 2016- p 63-64

Mohammed Abdallah AlThrhuni
writer and researcher