مسلسل The OA
العوالم الشامانية للخلود
في كل حكاية هناك حنين إلى زمنٍ محجوب، إلى أرضٍ موعودة لا تقترح سوى الألم شرطًا لقبولنا، وإلى فكرةٍ غامضة ترى في الخلود اكتشافًا للمعنى. في العوالم الشامانية ترقص الحياة والموت في دائرة واحدة، ويجري نهر الجسد عبر الرؤى إلى فضاء تُفتح فيه بواباتُ النجومِ مقابضَها، لتنصت الروح إلى سرّ الدهشة المستترة في حركة الأبعاد المتداخلة من تلاطم الداخل والخارج. في عالم الشامان تقليدٌ قديم للتعبير عن الحزن البشري وعن مأساوية المفقود في النص ــ هذا الشامان الذي ترك لنا في الفن الصخري الليبي سرديةَ العبور بموته المؤقت ونصَّه الرمزي المفتوح على مفترق الطرق في نقوش الصحراء الليبية. هذا النص، الذي لا ينقصه الخيال، كان حلمًا بأبدية شفاء الطبيعة من الجفاف، وهذا الحلم النقي هو ما أطلقنا عليه “دين المطر الليبي” في حضارة الصحراء الوسطى. ولكن من هو هذا الشامان؟ وما الرسالة التي تريد النشوة الشامانية إيصالها للعالم اليوم؟
وفق الإطار الثقافي والشرعية الرمزية لهذه العوالم، لا ينفصل الشامان عن النظام الداخلي لمجتمعه الذي يخضع لمنظومة كاملة من المعتقدات الراسخة والقوانين الاجتماعية الملزِمة لوظيفته. ولهذه الوظيفة دورٌ محوري في إنقاذ حياة المجموعة، ولكنه في الوقت ذاته لا يمثل شخصية البطل في الرواية التقليدية، بل يمثل ما تفرضه ظروف نشأته الاجتماعية وخصائصه التي تميّزه عن غيره من الأفراد. وهذا ما يغذي قداسة تجربته في التجديد الثقافي ونقل المعرفة لشركائه كوسيط للفاعلية الروحية بواسطة الطقوس والأغاني والحركات الجسدية المهيكلة. وللشامان الليبي ما يميز مشهديّة عبوره ضمن السياق الثقافي المحدد في المشهد غير المرئي في كثير من مواقع الفن الصخري الليبي في ما قبل التاريخ. ولعل هذا ما تريد الشامانية إيصاله لعالمنا المادي اليوم، وهو علاجنا من الأنانية باقتسام الألم الروحي؛ فما يقوم عليه المنطق العاطفي للشامان باعتباره معالجًا هو التكافل الاجتماعي، هذه القيمة التي خسرناها بسبب احتكارية العالم الحديث المنتج للقيم الفردية. وربما تكون هذه الرسالة هي الأسمى من خلال العودة إلى تأمل قيم المجتمع الشاماني وتوظيف دلالاتها الرمزية في الفنون المعاصرة. ففي هذه العودة شيءٌ من جماليات سحر الجنون الذي حدثنا عنه جيل دولوز، إذ يقول: “السحر الحقيقي للشخص هو الجانب الذي يفقد فيه السيطرة قليلًا؛ إنه الجانب الذي لم يعد يعرف فيه حقًا أين هو. وهذا لا يعني أنه ينهار، بل على العكس؛ هؤلاء أشخاص لا ينهارون. ولكن إذا لم تتمكن من فهم جذر أو بذرة الجنون في شخصٍ ما، فلن تتمكن من الإعجاب به حقًا… لن تتمكن من حبه حقًا”. وجيل دولوز، بهذه الفلسفة، يأخذنا بسهولة للعثور على سحر هذا الجنـون الغرائبي فـي شخصية بريـري جونسون، التي جسدتها الممثلة بريت مـارلنج فـي مسلسل .The OA
بُث هذا العمل لأول مرة في عام 2016، ومن ثم في عام 2019، وهو من المسلسلات التي تندرج في فئة الغموض والدراما والخيال العلمي. في هذا العمل، يكون السرد كفعل خلق للمضي عبر عدة أبعاد، منها ما هو مادي ورمزي ونفسي في آن واحد. ولكن ليس هذا ما يميز حبكة العمل، فما هو استثنائي حقًا هو ارتكازه على أرضية صلبة من المعرفة بالثقافة الشامانية والبعد الروحي كأساس لعمل الشامان، وهي الثيمات الرئيسية: تجارب الاقتراب من الموت، وهي ما يقابله في البعد الشاماني حالات الوعي المتغيرة؛ السعي للعثور على عوالم موازية وإمكانية تجربتها حسيًا وماديًا؛ وجماعة النداء المشترك التي تتشكل من أعضاء المصير الواحد. وهذه المرتكزات ليست الوحيدة، لكنها البنية الرئيسية لحركة الشخصيات في فضاء العمل.إضافة إلى ذلك، يستند هذا العمل إلى مفهوم التجربة الشامانية التقليدية، وهي الأرضية الفلسفية التي يتقاطع فيها الوجود، الوعي، والسرد، ما يعطي مصداقية معرفية لدى المتلقي المطلع على الدراسات الشامانية الإثنوغرافية البعيدة عن تجربة المتعاطي الحديث للوصول إلى هذا النوع من البعد الروحي، وتتجسد هذه المصداقية المعرفية للعمل في تجسيد الحامي أو المساعد الروحي في شخصية “خاتون” للممثلة هيام عباس، وظهور القلتة المائية أو بوابة العبور، وحالات النزيف المتكررة من الأنف، وجماعة المصير المشترك، سواء في البعد السردي أو المتخيل في البعد الموازي داخل الصندوق الزجاجي، والحركات الخمس التي تظهر أن المعرفة المتجسدة حين تُمارس جماعيًا قادرة على تشكيل الواقع من أجل إعادة صياغته، ولا تفوتني الإشارة هنا إلى أن الفرق الجوهري في البعد الروحي لكلا التجربتين هو أن الشامان يعمل داخل نظام ثقافي ومعتقدي واسع يفترض وجود دور اجتماعي مركزي ومشترك، أما المتعاطي فيعاني من غياب بنية طقسية مجتمعية موحدة، ما يجعله فضولًا فرديًا يؤثر على المعنى والمسؤولية الأخلاقية للفكر الشاماني. إن هذه البنية السردية الشامانية المعاصرة فريدة من نوعها لكونها تدمج صدمة الاقتراب من الموت، وهي المنطقة الحدية للشامان التقليدي ما بين المادي والروحي، مع السرد المتعدد الطبقات، وهو تمامًا ما يناسب رحلة الشامان في نفق يسحب الأحداث المتلاحقة وسرعة الانتقال، والحركة الطقسية الواعية جسديًا للوصول إلى حالة وعي متغيرة أساسها الرقص كطقس، فالتقاليد الشامانية، ودور الشامان سواء في نقوش الصحراء الليبية في كثير من مواقع الفن الصخري الليبي في الجبال السوداء، وتادرارت الأكاكوس، والمساك، وجبل بن غنيمة أو في البنية السردية لمسلسل The OA، ليست مجرد أثر لخيال قديم، وإنما هي استدعاء لضرورة روحية فقدناها في العالم الحديث. فالشامان لا يقدّم علاجًا فرديًا بل يرمّم الشرخ بين الإنسان وعالمه، بين الجسد والوعي، وبين الحياة وممكناتها التي تُحجب عنّا تحت وطأة العقلانية القاسية. وفي زمن تتصاعد فيه الفردانية المفرطة والانعزال وتبهت فيه الروابط المشتركة بين الأفراد، تعود التجربة الشامانية لتذكّرنا بأن المعنى لا يُولد من مركزية الذات، بل من المصير المشترك ومن القدرة على المشاركة في الألم والمعرفة والشفاء. وربما هذا ما يجعل هذا المسلسل عملاً يتجاوز الخيال الفني ليصبح محاولة معاصرة لبعث حكمة قديمة: أن الإنسان لا يُشفى وحده، وأن العالم لا يُعاد تشكيله إلا عندما يتحرك الجسد والوعي معًا داخل عاطفة جماعية تعمل كطقس مضاد للوحدة، كما لو أننا جميعًا نبحث عن بوابة صغيرة تفتح لنا طريق العودة للهرب إلى ذواتنا الأولى.

Hamza Alfallah
Writer and researcher