مرايا لأزمنة أُخرى

مقال: تاريخ، حمزة الفلاح

تقديم

يقول الصحفي ستيفن شيف “في قلب التاريخ الجيد، يوجد سر صغير ماكر وهو الحكي الجيد.” إن الحكي الجيد يمنح المادة حرارةً وتجسيدًا، والمكرُ أن تكون هذه الحكايةُ ذات دلالةٍ يعمل من خلالها الخيال وسيطًا يحمي ذاكرتنا من الجفاف.

عند سرد التاريخ من المحبط أن نكتفي بتعداد فقر الوقائع. وهذا يدفعنا إلى أن نتساءل دائمًا: كيف تريدنا عناصر المنظر الطبيعي أن نراها؟ في الرحلات يغدو هذا السؤال أشبه بإعادة ترتيب ما كان مبعثرًا في مخيلتنا طوال مدة الإقامة والسفر؛ إذ لا يكتسب كل ذلك معنًى إلا باستخراج خيط التفاصيل الرفيع وشدّه للقبض على فكرة أوسع، لتحويل الحكاية التي لم نكتبها بعد إلى مجال تتقاطع فيه الأزمنة. فمواقع الفن الصخري ومشاهدها في تعاقب الليل والنهار، والكهوف والملاجئ، والوديان والشعاب والأراضي النائية والكثبان الرملية، تستدعي في فضاء مراقبتنا كل الرموز القديمة لإعادة توظيفها، أو ترميمها في نسيج واحد، من دون أن يفقد صوت هذه العناصر كثافتهُ الأولى.

تنام على مشهد ليلي لا يوحي ضوءُ قمره إلا بالغموض في عيون الذئاب، وتستيقظ على أفق الفجر المبلل بآخر ماءِ النجوم الخافتة قبل اندلاع الشمس، وأنت تضم شتات هذه الأساطير غير المكتملة في دفترك أثناء الترحال، من غير زخرفةٍ لرقصها الهمجي في المخيلة. تمشي وتنظر إلى كل ما يتصل بالأرض، فترى الراعي القديم يشقّ بعصاه الوادي، يضرب الأحجار لتصدر رنينًا في وعاء الماضي، بينما تتجاوز الأصوات كأنك تركب الريح إلى ما وراء طبقات المادة بحثًا عن منطقة مضطربة ومتذبذبة لكتابة صاخبة، وكل ما حولك صامت. ففي اختراع الحكايات لغز يقول للجميع؛ إنك لا تكتب سوى ما أخبرتك به الإشارات المنسية على جانبي الطريق.

 

 

الرعاة الليبيون وحكايات القمر

مقطع 1

قديمًا، في أزمنة غابرة، مارس القمرُ لعبةً أرضيّةً خطيرةً قبل أن يُعبد، فتتبعَه النساءُ، وبسبب فتنته يتحوّلن في النهاية إلى نجوم. كان يهبط من سلالم الجبال الشاهقة في الصحراء مثل غبار فضي، مُصدرًا نغماتٍ مدهشة قبل أن يصل إلى الأرض، ويتدحرج لمسافة عبر الشعاب، ضاحكًا باستهتار في بطون الوديان وراقصًا بفضافة عجيبة. كان في كل هبوطٍ يقترفهُ يحمل نجمةً صغيرةً في يده، لتتجمد النجوم حتى تصبح حزينةً وباردة في السماء، كيلا يُرسل لمعانهن المحترق ضوءً خافتًا لتنبيه اللواتي كن يسرن وحيدات في الليل، حتى يتمكن بسهولة من إغراء كل من تصادفهُ. ولفترة من الزمن ظل يختطف المنكسرات عاطفيًا، يستدرج المخطئات والمتمردات على نواميس القبيلة، ويزرع في فضائه المظلم رماد الفجيعة في صدور الأمهات اللاتي فقدن بناتهن، وفي قلوب الرجال فراغًا مريرًا، دون أن يترك أثرًا، حتى تعاظمت سطوته إلى أبعد من ذلك  بتعطيل الحيض، تأخير الحمل، إجهاض البذار وإفساد الزرع، وتحولت حكايات الشر القديمة إلى حكاية واحدة عن رجل شجاع له روح عطوفة، تُسافر في الليل لتطعم الفتيات الفقيرات، وتلقي بالسحر في عيون القبيحات قليلات الحظ في الزواج، وتمسّد برقة أعضاء المصابات بعاهات جسدية.

 

لم يذق جشع القمر طوال تلك العصور في شبابه لذة أن يكون له امرأة واحدة، ولم يتعلم في مسرحه المضيء ألا يكون سوى بطلاً يصدق الأكاذيب التي كان يرويها الآباء خوفًا على أولادهم من المرض والموت. كان يعي ذلك جيدًا بأن أسطورته لن تنتهي بفضل إيمان العجائز العميق بعودة المختطفات يومًا بشعر أزرق طويل وريش فضي يزين رؤوسهن. في شيخوخته جرب مرة  أن يمارس عاداته الأولى، تاركًا قبسًا مضيئًا من جلده بعد أن هبط، ولكنه فشل في أن يعود مرة أخرى ــ عاريًا ومريضًا ظل سجين الأرض لعدة ليالٍ غير قادر على المشي، حتى يأس وقرر العيش آخر الأمر مع البشر. ولم يجد أنسب من ثوب الرعاة ليتخفى به من أجل أن يكون أقرب للسماء، بعد أن قتل راعيًا من رجال الماخلاي* وسرق ماشيته وعصاه ليقدم القرابين عله يسترد شيئًا من عافيته، ولأنه لم ينسَ بأنه كان قمرًا وسيء السمعة في السابق، استمر في حياة الرعاة التقاة ليتطهر، ويعثر على فتاة للزواج.

عاش القمر لفترة طويلة على الأرض أكثر مما ينبغي ممتعضًا، ولأن الرعاة الليبيين قديمًا ارتبطوا بالنجوم**، كان يرش الماء على طريقتهم قبل الخروج، وينقر على الطبل سلاحه الصغير لمحاربة الأرواح المارقة، وحماية ماشيته التي كبرت مع الوقت من المفترسات، عالقًا ما بين عالمين، ولا يحمل يقينًا من تحقق أي شيء، حتى وقع في حب نجمة بعيدة عزمت على أن يتجرع الشقاء. ترك قطيعه وهام بعيدًا وراء التلال، تلاحقه الوحوش كلما حاول الاختباء، وظلت النجوم لا تفارق أحلامه: نجوم رمادية، وقرمزية، وذهبية، وخضراء، لكن نجمته اللعوب الحمراء هي الوحيدة التي كان لها جذور كالنار تنسكب في قلبه كلما تذكر جرائمه. وما بين الشك والإيمان بعودته، صدق كوابيسه التي كانت تعده بالألوهية وأنه لن يفنى. هكذا ظل يحلم بنجمته المنقذة التي كانت توقظه ليلاً مرتعشًا من البرد عندما يغفو، ولم ينتهِ هذا الجنون المضيء بالخداع إلا بعد أن كشفت العرافة العجوز سره قبل قتله في موسم مراقبة السماء، عندما كان الرعاة يتجمعون لإيقاظ النجوم بالرقص وإشعال النيران، قائلة:

لن يختفي العقيق المقدس، ويتسمم الملح هذه الليلة، ولن تتحقق وعود الوفرة بالعشب والمطر، فما هو سماوي سيظل مؤلهًا ولن يموت، وإن كان صغيرًا، وما هو أرضي سيعيش منذورًا للفناء.”

Top of Form

Bottom of Form

 

 

الريح طائر من نار

مقطع 2

يُروى أن الريح تنزعج بسهولة مثل فتاة مراهقة لا تحتمل واجباتها المنزلية. في فلكلور البوشمان يقولون أولئك الذين شاهدوا الريح مرةً بأنها في الأصل كانت رجلاً عاديًا حتى تحوّل إلى طائر ضخم، دون أن يقدموا حججًا مقنعة على تغير طبيعته بشكل مفاجئ؛ ربما كانوا يتجنبون الخوض في هذا الحديث خوفًا من أن يقتلعهم.

وسط البوشمان الذين لا يتوقفون عن سرد الحكايات، كان هناك من يدعونه بـ”رجال الدخان”، وهو الوحيد الذي تحدث إلى الريح، وأن مكانها جبل هارفونتين في حفرة جبلية عميقة. ولأنه لا يقل انزعاجًا وامتعاضًا عنها، كان يقذفها بحجرٍ لاعتقاده بأنها طائر مليء بالشر يقذف كرات النار لحرق المحاصيل والأكواخ، وبسبب ذلك انفجرت وطارت بعيدًا، ولم تعد تهب برفق منذ ذلك اليوم، وصارت غاضبة على الدوام.

منذ تلك الحادثة نسي رجل الدخان متعة الاستلقاء والنوم مثل طفل عند الشجيرات، وظل خائفًا في كوخه من غبار لا يهدأ ــ يغطي قطيع الماشية، ويسد العيون التي صارت لا تعرف سوى الدموع. ولأن الريح بطبيعتها غير جديرة بالثقة في كل الحكايات، خسر كذلك أفراد قبيلة الباسيلي* الكثير من رجالهم عندما طمرت آبارهم بالرمال، فقرروا أن يخوضوا حربًا بالرماح المسومة لقتلها. ولكنها لم تكن طائرًا، بل غضبًا من أزيز حبات رمال حارقة يُسمونه القبلي**، بسبب محاولاتهم المتكررة لسرقة حجر العقيق المقدس من أجل التحكم فيها. كان ذلك في زمن جاف وغريب، لم يكن فيه للسحر أو لقرابين المطر أي معجزات قادرة على التحكم في تقلبات الطبيعة، التي بدلت جلدها الخصب بقشور يابسة وصفير كئيب يدور في ملاجئ الوديان.

 

رموز

مقطع 3

 

منذ الأزل، والجفاف مرتبط بالحنين، الصلوات، والترحال. وهذا تمامًا ما كان يفعله رجل ظل الطريق إلى بيت الماء، ولأن لغة الطبيعة لا تتواصل إلا بالرموز والإشارات، كانت شعوب السان تعتمد على آثار الأقدام وأغصان الأشجار المقلوبة لإرشاد من أضاعه عطش المسافة، أو فقط ليتبادلوا الرسائل ويخبروا بعضهم أنهم ببساطة لم يختفوا، وكأنهم يقولون: “نحن بخير مادام الماء قريبًا”.

هكذا كان الاستدلال على الماء عاطفيًا أحيانًا وتقنيًا أيضًا، ما بين التحرك السطحي قصير الأمد نحو البرك لشعب سان، والفهم العميق للأرض وهندسة قطرات الزمن لشعب الجرمنت* الذين أدركوا السر الخفي للاستقرار في عرض القحط، لأنهم ببساطة كما يقال؛ ولدوا من قلب القلتة، وتعلموا أن الثقوب المضيئة لأسلافهم في الجدران ترسل إشارات من شامانهم القديم الذي عبرها إلى الغيوم لينقذ شعبه. وظل الأحفاد حتى ذلك الوقت يتوارثون الصعود على ظهور النعام ويتسلقون خيوط النور، حتى انقطعت وسقط أكثرهم من السماء إلى قمة جبل زنكيكرة**، وهناك أقاموا حصنهم البدائي، قبل أن يهبطوا إلى وادي الآجال ويباشروا زراعة الصحراء، وتبادل السلع المربحة والتجارة بدءًا من العصر الجرمنتي البدائي حتى العصر الجرمنتي الكلاسيكي.

وكما أنبتت شبكات الماء*** الواحات الساحرة مثل حلم بالخلود، أنبتت كذلك الفناء الطويل على جسور من العظام، وظل الرجال بسبب الترحال لمسافات بعيدة ينقشون عرباتهم وخيولهم على حواف الجبال لتحديد مسارات الوصول إلى الذهب والمعادن والعاج والأحجار الكريمة، كي يضمنوا لملوكهم في حياة أُخرى مقابرًا مريحة تعج بأفخم السلع الجنائزية.

* قبيلة ليبية قديمة، تقيم أقصى غرب الساحل الليبي، ويصل موطنهم إلى نهر تريتون العظيم.

** ارتبط الرعاة قديمًا بالسماء ارتباطًا وجوديًّا؛ فبها يهتدون في الترحال، ويضبطون مواسم المطر والخصب، فتغدو النجوم نظامًا للمعرفة قبل أن تكون موضوعًا للتقديس.

* قبيلة ليبية قديمة، عرفت بتقديسها للثعابين وبحربها مع ريح القبلي.

** ريحٌ حارّة جافّة تهبّ في ليبيا قادمة من عمق الصحراء، ترتفع معها درجات الحرارة، ويشتدّ الجفاف، وتحمل أحيانًا غبارًا كثيفًا يحجب الرؤية ويزيد الإحساس بالاختناق.

* شعبٌ ليبي قديم استوطن فزّان في جنوب ليبيا، وازدهر بين القرن الخامس قبل الميلاد والقرن الخامس الميلادي، واتخذ من جرمة عاصمةً له.

**  موقعٌ جبليّ في إقليم فزّان جنوب ليبيا، يضمّ بقايا استيطانٍ قديم تُنسب إلى المراحل المبكرة من حضور الجرمنت في المنطقة، ويُعرف أثريًا بحصن زنكيكرة ذي الطابع الدفاعي المرتبط بالمركز الحضري في جرمة.

*** شبكات الماء لدى الجرمنت اعتمدت نظام «الفجّارات»؛ وهي قنواتٌ جوفية تُحفر بانحدارٍ دقيق لنقل المياه من الطبقات الجوفية إلى الواحات، بما أتاح زراعةً مستقرة في قلب الصحراء حول جرمة جنوب ليبيا.

عمل للفنانة شفاء سالم

 

 

حمزة الفلاح
كاتب و باحث