
لأننا نكون حيث لا نوجد
-جان بير جوف
مقال: المتعلق بالأرض ، حمزة الفلاح
كانت مقابلتي بـعبد اللطيف المهدي، وسؤالي له عن العزلة، أمرًا غريبًا بالنسبة له، وبدوري كان استغرابه من هذا السؤال يشغلني كثيرًا. في تلك الليلة، عند النوم، كنت أفكر في موقعي ككاتب اعتاد على حياة الغرف وشوارع المدينة المزدحمة، وكأن حاجزًا كان بيني وبين عبد اللطيف لا بدّ أن يتحطم. في الصباح، وقبل أن نتجهّز للذهاب إلى شعبة القلتة* برفقته، استيقظت باكرًا على مراقبة الترهوني في الخارج لفنجان قهوته، وهو شارد الذهن؛ ولأنه لم يحرّك ساكنًا عدا رفع سيجارته، كان صمته وكأنه حرية من وراء ظهر الكلمات الضيقة. توقّف لبرهة، ثم نظر إلى الأعلى، إلى ما وراء السور في الاستراحة، وردّد، مثل طائرٍ حزينٍ مهاجر، أبياتًا قصيرة لجان تاردو بصوتٍ خفيض، قائلًا: “حتى أتقدّم، فإني أسير بروتيني المضجر، إعصارًا مسكونًا بالجمود، ولكن في داخلي لا توجد حدود بعد”.
الحدود، نعم، إنها الحدود التي لا يعرفها عبد اللطيف. عندما سألته عن العزلة في الوادي، كان يعتبر هذه الكلمة رديئة وتمسّ شيئًا من ضيق الأفق، ولا تعرف الرحمة إن التهمت صاحبها. لهذا كان عليّ أن أخرج من دائرة المدينة ومفاهيمها الجامدة إلى الفضاء المتحرك لأفهم المتعلق بالأرض وكيف يفكر. للمتعلق بالأرض لياقةُ أسطورته المتشكلة من عناصر المنظر الطبيعي: الجبال، والأشجار، الأحجار، النباتات في شقوق الجدران، الطيور، الرمال، والصخور السوداء. وفي سوكنة كان لعناصر هذه الأسطورة كلماتها المرنة عن المكان الحقيقي في الخارج. في المدينة يختفي الـ«هناك» ــ هذا المكان البعيد والمفرط في إنسانيته، الذي لا تتدنى فيه الروح وتسقط، بل ترتفع كلما صعدنا شعبةً في وادي السرط، أو تسلقنا صخورًا في وادي تاجنت. دخلت بعد دقائق من التفكير لأتجهز، ووجدت الترهوني يقف على رأس عصام، الذي كان يتألم من ركبته ويرفض الخروج معنا في هذه الجولة، وكان الإصرار والشرر الذي يتطاير من عيني الترهوني آخذًا في التحول إلى رماد كئيب من فقدان الأمل في المصور الوحيد الذي كان يرافقنا في هذه الرحلة. عند تلك اللحظة، تجمّد النقاش، وسحب الترهوني مباشرةً، وبغضبٍ ظاهر، الكاميرا الصغيرة من الحقيبة، ودفعها نحوي قائلًا: “عليك أن تستلم هذه المهمة، ولن أغادر سوكنة قبل العثور على تلك النقوش الصخرية التي لم نوثقها في المرة السابقة”. التزمت الصمت دون أي تعليق، ونظرت إلى عصام المكوم مثل خردةٍ فاشلة على الفراش، وكل لعنات سيوران للعالم على لساني. كيف يمكن وصف حالتي آنذاك، فقد كنا منذ يومين تقريبًا في رحلةٍ شاقة إلى وادي السرط لمعاينة القبور الجرامنتية ــ جولةً استمرت مشيًا لقطع الوادي ذهابًا وإيابًا دون تخييم لمدة ستّ ساعات أو يزيد، ومع ذلك كنت أتفق مع الترهوني على ضرورة إيجاد هذه النقوش والاستفادة من خبرة عبد اللطيف للعثور عليها.
انطلقنا بعد أن وصل عبد اللطيف بسيارته، وطوال الطريق كان الحديث لا ينفصل عن الأرض، حتى ونحن نحطم بعجلات السيارة عظام الصخور. هبطنا بعد أن ركنّا بالقرب من الشعبة، والقليب أمامنا مباشرةً. أخرج عبد اللطيف قضيب طويل من الحديد، ورمى بهاتفه دون اكتراث، وبدأنا في الصعود حتى وصلنا إلى القمة، حيث مجموعة من النقوش ــ عثرنا على بعضها، وأخرى كان العثور عليها أمرًا صعبًا للغاية، لكن التعلق بالأرض يمنح الحواس شكلًا آخر من الزوايا غير المنظورة. كان عبد اللطيف يتلمس الأحجار، ويشم التراب، ولا يتحدث إلا للضرورة أو الاستفسار عن أمور كان الترهوني قد ناقشها سابقًا، وقليل الالتفات للوراء، كأن امتداد الأرض يهمس له بأن هناك جنة موعودة، مثل بحيرة من سراب، سيصل إلى ظلالها قريبًا.
إن المشي منطق التفكير لدى المتعلق، ومراقبة الفضاء ليست إلا حوار حميم مع متعة النظر إلى مخاطر التوقف عن الشعور، أو نداء يرتفع بحب مثل ذراع شجرة ناضجة يعانق قبة السماء. كنا نتحرك بلا توقف من فكرة طبيعية لأخرى نسحب المشهد كما يلائم حركة الروح لا أداء الجسد – الروح التي تعي هذا الـ “هناك” البعيد “ففي الخارج كل شيءٍ يتجاوز القياس. وعندما يرتفعُ المستوى في الخارج، فهو يرتفع في داخلك أيضًا. ليس في شرايينك التي تتحكم أنت فيها جزئيًا، ولا في بلغم أكثر أعضائكَ تصلبًا : ولكنها تنمو في شعيراتكَ الدموية، مسحوبةٌ إلى أعلى، إلى أقصى فروع وجودك المتشعب بشكل لا نهائي. هنا يرتفعُ ويتدفق منك، أعلى من تنفسك وكملجأ أخيرٍ، تستكن وكأن الاستكنان على طرف تنفسكَ”1. للمتعلق بالأرض صوتُ الجغرافيا التي لم نتعلمها في المدارس حين كنا ننظر ببلاهةٍ إلى خرائط الكتب المدرسية. كنا أطفالًا لا نعرف أن ألوان الطبيعة تحتاج إلى عاطفة في حصة الرسم، وأن الكلمات تحتاج إلى أكثر من الحنين للتعبير عن المفقود فينا. ولكن المتعلق، وأثناء اندماجه في المنظر الطبيعي، تقف بجانبه كل ألوان العالم، ولا تتركه الطفولة أثناء تفحّصه لكل ذرةٍ صغيرة من الرمال، والحصى، والعروق التي تصارع الجفاف، باحثًا في صمت عن الكلمة الوحيدة، لا حصة التعبير التي كنا نهرب إليها دون أن نفهمها — تلك الكلمة التي لا تُقال، ويمكن أن تُنسى بسهولةٍ وأنت في عناقٍ أبدي مع الأرض.
قرب أكوام من الصخور جلس عبد اللطيف، لا من أجل أن يستريح، كأنه كان يتهاوى أمامي من بعيد مثل ورقة في فم الريح. كان محبطًا للغاية، وسألته عند اللحاق به: عن السبب وراء توقفه المفاجئ! أخبرني أنه يشعر بالخوف على المنطقة بأكملها، ولكن الخوف من ماذا — قلت. صمت لبرهة وقال:
“في هذا الزمن صارت الطبيعة هنا أضعف من أن تستعيد شيئًا من رونقها القديم، تحت سطوة هذا المناخ المتعالي وتغيراته، في ظل تنامي الإهمال مثل عنكبوت ينسج شباكه، فلا وجود لمشاريع تطوير أو حماية لممتلكاتنا التاريخية التي تراها من المخربين واللصوص. أتسمع هذا الصمت الذي يلفّنا؟ إنه لا شيء سوى خفوت تدريجي للحياة وموت بطيء يستهلك الروح — سألتني بالأمس عن العزلة، وأخبرتك أن عزلتنا كمتعلقين بالأرض ليست عزلة الرهبان في الصوامع، بل عزلة من الترحال البدوي للأفكار التي لا تهدأ عن مصير كل الأشجار البريئة التي اندثرت، والبحيرات الرقيقة التي كانت تحيط بالقليب، هذا الجبل الذي تخبرني قمته عن أولى طقوس العشب، وعن الصيد الجائر للحيوانات التي منح بريق عيونها في الشمس للزوال رائحةً حزينة أشمّها كلما قطعت مسافات طويلة للاطمئنان كل يوم على نبض الأحجار الأخير”.
وسط الفراغ، كان اليأس قد تملكنا تمامًا ونحن بقربه، وشعرنا بأن هذا المتعلق كان بحاجة ماسة لأن يتحدث أخيرًا عن هواجسه دفعةً واحدة في مساحة نائية وبعيدة، وهو يقلب مرثية الأحجار بين أصابعه. كانت الأرض التي ذبلت ببطءٍ تتكلم على لسانه ببساطة شديدة، وتعترف لنا في آخر المطاف أنه، منذ أن وُلد هذا المتعلق قرب الوادي وسط قطيع من الماعز، وجذور النباتات التي تحتمي قرب الملاجئ تسكنه، وأن تنهداته الحارة ما هي إلا تلك الزفرة اليتيمة لغزال طريد خر صريعًا بدمائه الساخنة بنار الفوهات المستهترة لبنادق الصيادين الصدئة.
1 غاستون باشلار، جماليات المكان، ترجمة غالب هلسا، ط 3 (بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 1987).

حمزة الفلاح
كاتب و باحث