أرض الجرمنت

رحلة العبور إلى البداية 

يأتي هذا المشروع، الصادر في عام 2026، بوصفه أول كتاب ليبي يُقدَّم برؤية ليبية في مجال الفن الصخري، ويتناول عبر أربعة عشر فصلًا رحلة استكشافية في عمق وديان مدينة سوكنة. وفي سياقه الأثري، جرى التركيز في المرحلة الأولى على تغطية هذه المنطقة، مع اختيار جداريات وادي تاجنت ومحيطها بوصفها عيّنة للدراسة والتوثيق. وقد أُنجزت دراسة هذه الجداريات من منظور أثري، اعتمادًا على تحليل رموزها الثقافية أنثروبولوجيًا وإثنوغرافيًا. وانطلاقًا من العيّنة المدروسة، عمل المشروع على تحديد الهوية الشامانية للفن الصخري الليبي، مستندًا إلى المرجعيات الإثنوغرافية في جنوب إفريقيا، ومن خلال تطبيق المنهج المقارن الأيقونوغرافي مع رسومات شعب السان (البوشمان). كما أسهم المشروع في طرح مفاهيم جديدة تُسهم في تحديد مسار رحلة البحث والتجربة الميدانية.

 

إنّ الثراء التاريخي والمعرفي الذي يمنحه لنا الفن الصخري الليبي لا يتوقف عند حدود التمثيلات الصخرية والنقوش فحسب، بل يمتد ليضعه في مقدمة الفنون الصخرية عالميًا، وذلك لعدة عوامل، من أبرزها تعدد مواقعه وموضوعاته، إضافة إلى جمالياته ودلالاته الرمزية. وتنطلق رؤيتنا للفن الصخري الليبي من تجاوز الرمز إلى المعنى، حيث يأتي مشروعنا في هذا السياق ضمن إطار تعزيز التاريخ الليبي المتنوع، مستندًا إلى مقاربة محددة تتحمل مسؤولية إعادة القراءة التأملية والتحليلية للجداريات في مختلف المواقع الليبية، وتنظيمها ضمن نظام معرفي واضح للمتلقي، من خلال تقديمها وفق المنظور الشاماني. في كتاب أرض الجرمنت شكّلت الرحلة إلى الوديان المحيطة بمدينة سوكنة الليبية نقطة الانطلاق لهذا العمل المشترك، وهو من تأليف الناقد والكاتب محمد عبدالله الترهوني، والشاعر والكاتب حمزة الفلاح، مع إخراج وإعادة إظهار ورسم الجداريات للفنانة شفاء سالم. وقد حرصنا في هذا الكتاب على إعادة توثيق جداريات وادي تاجنت، ووادي السرط، وشعبة القلتة، ودراستها وفق المنظور الشاماني، مع طرح مفاهيم جديدة تتجاوز حدود التصنيف التقليدي في كتابة الرحلة.

انطلاقًا من ذلك، اعتمد الكتاب على ثلاثة مفاهيم رئيسية. يتمثل المفهوم الأول في الكاتب المستكشف، وهو مفهوم سعى إلى توضيح الفروقات النظرية بين الكاتب المستكشف الليبي والمسافر الغربي، واختلاف رؤيتهما لفضاء الصحراء. أما المفهوم الثاني فهو المتعلق بالأرض، حيث عملنا من خلاله على تعزيز فكرة تأثير الارتباط بالأرض والتضاريس الجغرافية في تشكيل وعي الكاتب، إضافة إلى الدور المحوري الذي يلعبه هذا الارتباط في منح المشارك معنىً حميميًا لفهم الفضاء والمنظر الطبيعي. ويأتي المفهوم الثالث بعنوان الأركيو–شعرية، بوصفه منهجًا تأويليًا يقوم على مقاربة شعرية للآثار والبقايا المادية، بعيدًا عن القراءة الأثرية التقليدية، ويعمل كأداة تحليل لإعادة قراءة الجداريات ضمن إطار متعدد التخصصات قائم على المنظور الشاماني. ويؤكد هذا المنهج أن الوصول إلى فهم أعمق للفن الصخري الليبي لا يتحقق دون شعرية التفسير، القادرة على تفكيك الرموز وإعادة تأويلها في ضوء المرجعيات الإثنوغرافية المشتركة للشامانية في جنوب إفريقيا.