
في الأفق كل شيءٍ ممكن*
مقال: المتعلق بالأرض ، حمزة الفلاح
في الليل يكون المعنى أقربَ للتجلّي أمام الحوار الطويل للنهار. الكلمات في ظلام وادي تاجنت تصبح أكثر برودة، والعاطفة أقل إيلامًا في النظرات العابرة التي تستكين دون أن تقف على شيء ــ أَصحيح: «عندما لم يعد بمقدور الإنسان أن يتأمّل، راح يُفكّر؟»1. وسط السكون المهيب للعراء، كان امحمد بوخزام يمدّد جسده على حصير متواضع، مُتكئًا على وسادة صغيرة، وبغصنٍ رقيقٍ جافّ كان يرسم على التراب دوائرَ وخطوطًا كنت قد تبيّنتها حالما وصلنا إلى الوادي. بدت هذه الخطوط والدوائر أشبهَ بحركة المخيّلة المشوَّشة للشامان بعد عودته إلى جدران الوديان العميقة المحيطة بمدينة سوكنة، ولأن امحمد لم يكن يتأمّل بل يُفكّر في الداخل، كأنه ينتقل من نقطةٍ لأخرى وهو في قلب الفضاء الخارجي، ابتلعَه بسهولة الظلام الدامس الذي سرعان ما انسَلخ عن الصخور فور وصولنا. رفع امحمد رأسهُ تجاه مصابيح السيارات، وأشاح بسرعة وجههُ عن ضوءٍ مصطنع لا يتناغم مع الوميض الفضيّ للنجوم التي كانت تلمع في عينيه، وحتى تلك الآونة لم نشعر بعد بأننا كنا نقترب من أن نكون أولئك المتطفّلين الذين يكسرون خلوة المرء، ويقطعون المسافات بلا طائل من أجل الاستجمام فقط وشرب الشاي، ولكننا تداركنا الوقوف على حدود منطقة الحرج من أن نكون مجرد دخلاء يرغبون في الثرثرة، بعد أن أطفأ السائقون المحرّكات من أجل أن نعيد نقاء الصمت لهذا المتعلّق وسلامه الشخصي.
كان ظاهريًا قد بدا لي متوائمًا مع المشهد الليلي الساكن، إلا أن ضجيج الأفكار في رأسه كان يبعده عن امتيازات التأمل في العناصر المحيطة. لا شك أن بتركيزه الحادّ والشارد كان يصنع مشهده الخاص في الداخل، ويفكر كيف أن التنقّل من صخرةٍ لأخرى مدهشٌ وسلسٌ عند انغماسه في خرائط حلمه أولًا قبل أن يباشر في الصباح مهامهُ وما اعتاد على فعله في المسار الواقعي منذ أن كان طفلاً صغيرًا يجمع الترفاس*. في الطريق وقبل أن نصل، كان الترهوني قد طرح سؤالًا ملهمًا عن ما تعنيه الطبيعة بالنسبة للمتعلّق بالأرض؟ كانت الإجابات تنمّ عن مدى شعورنا بكآبة الحياة في غرفنا تحت مصابيح الإضاءة الاقتصادية، ولأن الأفق بدأ يختلط ببقايا انطفاء الشمس والظلال الأولى ــ تأملنا ــ دون تفكيرٍ في لون السماء، وألفة الدفء الذي يتسرب للعيون الحالمة. في المنظر الطبيعي تغدو العناصر أكثر لذة، وإن كانت صحراءً قاسية، وهذه اللذة لا يمكن الإحساس بها إلا بمرافقة المتعلّق بالأرض، لأنه ببساطة يعلمك كيف يكون التفكير متناغمًا مع حركة الجسد في الفضاء: التسلّق الحذر، ودقة وضع الأقدام على الصخور في الوديان، التوقف المفاجئ وتأمّل المغيب الحزين من فرط تلاشيه البطيء، والجلوس بجانب القبور المتناثرة في شمال وغرب سوكنة، وأكواز* الحجارة الصغيرة على حواف وادي السرط، تذوّق النباتات بأنواعها*، وترديد أسماء الطيور* بفرح عندما تحطّ قربك كمفاجأة سعيدة، كل هذا وأكثر لا يمكن الشعور بنشوته إلا وأنت تتبع المتعلّق إلى مواقع نادرة. في الليل، وبعد أن وصلنا وشربنا الشاي، كان امحمد قد بدأ يحدثنا عن أنواع القبور وأعدادها في المنطقة، وأنواع الأحجار الغريبة التي كان يجمعها طوال المسافات التي كان يقطعها، وعن كل الملاجئ التي شهدت الأنفاس الأولى لوجود الإنسان بكل آلامه وأفراحه وطقوسه وأدواته الحجرية التي صنعها لمواصلة العيش.
إن شغفنا بوضع مفهوم يخصنا عن المتعلّق بالأرض بعيد عن مفهوم السياحة العابرة أو سفر الفضول الأوروبي، بل شغف نابعٌ من تاريخ طويل صنعهُ هؤلاء الرجال الذين عرفتهم الصحراء الليبية، وهذا المفهوم لا يتوافق إلا مع النظر للأرض كمجال للتفكير في لغةٍ لا تحدثنا عن التضاريس كمجرد أشكال ناتجة عن تفاعل الجيولوجية الداخلية والخارجية، بل بالنظر طويلاً في المساحة الخفية للهوية ما بين المادة والمعنى، وفي الذاكرة المهملة داخل كل مواقع الفن الصخري الليبي لتاريخنا كخراب حميم جرى اقتحامه من قبل الآخر دون وضعه في سياقه، ونحتاج اليوم إلى ترميمه بعناية حجرًا حجرًا بعيون الكاتب المستكشف، والمتعلّق الذي لا يملك سوى هذه الوديان. كنت وقبل مباشرة العمل في الوادي صباحًا أتأمل في نظرات امحمد لكل ما حولهُ أثناء حديثه، يحركني شعورٌ جامحٌ للمشي من أجل كتابة رسالة إلى أحجار البازلت التي مشينا فوقها قبل أيام قليلة على المسطاح* لمسافات بعيدة ــ رسالة تحمل شوقًا حزينًا إلى عالم عظيم وحالم كما يخبرنا باشلار في كتاب «شاعرية أحلام اليقظة» ــ عالم لا شيء يحدث فيه من شدة سحره في كل تلك المساحات الجافة والمغمورة بالسواد اللامع ــ هذا اللون الأخرسُ من شدة جماله.
* عنوان قصيدة لـ “بيار شابوي”. نشرتها المجلة النوشاتيليه، آيار : 1959.
1 غاستون باشلار، شاعرية أحلام اليقظة: علم شاعرية التأملات الشاردة، ترجمة جورج سعد (بيروت، لبنان: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 1991).
* الترفاس أو الكمأة : نوع ثمين ونادر من الفطريات الصحراوية التي تنمو تحت الأرض بعد هطول الأمطار. يشبه في شكله البطاطا، ويستخدم كغذاء.
* الأكواز : عبارة عن قبور شبه هرمية مكونه من أكوام صغيرة من الأحجار تنتشر في كامل المنطقة.
* كثيرة أنواع النباتات التي سجلناها ومنها : المكنان، الشقارة، الحميض، الغريرة، اللسلس وأنواع أخرى.
* يتواجد عدد من أنواع الطيور في المنطقة والتي سجلنا بعض أسمائها : البوغرير، البوبشير، الابلق، الباقرما، القطا، والحبارة.
* المسطاح : وهو عبارة عن مساحة كبيرة ممتدة من أحجار البازلت أعلى قمة الجبال السوداء.

حمزة الفلاح
كاتب و باحث