فيلم دروب: الرحلة كنزع للتأرضن*

مقال: الجيوبويتيك ، حمزة الفلاح

حينما يسألني الناس لماذا قررتُ فعل ذلك، أردّ عليهم عادةً: ولِمَ لا؟!”

الرحلةُ ما هي إلا هذا الجواب ـــ جواب الإرادة الحرة والنزوع إلى الاختلاف. وما كان مختلفًا في تجربة روبين ديفيدسون* هو أنها أرادت أن تقول للأرض: أنا طفلتكِ. منذ عام، كانت روبين الرحالة قد وصلت إلى مدينة أليس سبرنج للتخطيط من أجل قطع صحراء أستراليا سيرًا من مكانها إلى المحيط الهندي، بمسافة تُقدَّر بـ 2000 ميل. حقيبةُ ظهر، وأخرى تحملها قاطعةً بها الشوارع، وكلبٌ مطيع يشمّ رائحة الرغبة في التخلّص من الشعور بالخسارة. فهل من شيءٍ يضاهي لذّة تحطيم الصورة الثابتة للعجز عندما يقف المرء أمام من يألفهم ويخبرهم ببساطة أنه لا يفكّر سوى في الرحيل؟ ولأن الفكاك من كآبة هذه الصورة ليس بالأمر الهيّن، ظلّت نظرات الناس إلى جموح فكرتها، ما بين الدهشة والاستهجان، تلاحقها كساحرةٍ ملعونة تحلّق ليلًا بمكنستها إلى الأراضي المحرّمة، أو مثل فتاةٍ يائسة ترغب في إيقاظ الشكل الأخير للموت بالنوم في الخرائب والبيوت المتهالكة، والسعي وراء قطعان الجمال المتوحشة في وسط أستراليا للإمساك ببعضها وتدريبها من أجل حمل أمتعتها.

ما بين زمنين لا ينفصلان تعيش روبين زمنها الخاص ــ زمن التجربة الحية، والمعايشات التأملية في الماضي الذي تستعيده مرةً تلو الأخرى، لا بوصفه زمنًا منتهيًا تعود إليه بوعي كامل، بل مثل طقسٍ مائي يتجلّى للمشاهد من خلال ذاكرةٍ لا إرادية تستدعي ما عبرته دون أن تعيشه بوعيٍ صافٍ ــ الصوت الخافت للطفولة، الركض أثناء اللعب، ونظرات الحزن من النوافذ في الباحات الفارغة. هذا الماضي المتحرك في اللاوعي لا يبقى ساكنًا، بل يتحول إلى مادةٍ خلاقة تُعاد صياغتها داخل الحاضر، الذي لا يشكّل لحظةً زمنيةً مستقلة، وإنما فضاءً لإعادة التنشيط والتداخل من أجل إيجاد دروبٍ بديلة لا تعرف الخوف من الالتزام بصداقة الوحدة طوال الرحلة.

وبالعودة إلى خيبة البحث عن وظيفةٍ بسيطة لتوفير القليل من المال، ونقل الأمتعة الثقيلة من مكانٍ لآخر، كان عدم العثور على الجمال بسرعة أمرًا مخيبًا بالنسبة لروبين، وشعور الاحتياج لم يكن يمثّل لها سوى سلاسل العالم التي خرجت للهرب من ضيقه. فالبقاء لمدةٍ أطول لا يعني سوى الحضور أمام عصا الفشل اليومي لتمدّ يدها وتضرب أصابعها، وهذا ما كان يدفعها للعثور على من يمنحها المعرفة اللازمة لإدارة ثلاث جمالٍ هائجة، صعبة المراس، ولا تثق بسهولةٍ في الغرباء. وقد كان ذلك بعد أن تجمّع رفاقها من حولها في بيتٍ بلا سقف من أجل توديعها، وسط أجواءٍ صاخبة من الاحتفال ــ مناخٌ كئيبٌ أصبحت منفصلةً عنه تمامًا. إن الإحساس بالعطش في شرودها طوال تلك الليلة لم يكن يمثّل سوى وفرةٍ في الانقلاب على عالمها القديم بسبب تعميق الأرض في داخلها، وهذا الشعور هو ما كان يُعاكس التأرّضُن والاستقرار من خلال نزعه، بهدم نظام العلاقات والأفكار الجامدة وتموضع الرغبات الصغيرة التافهة في عيون أصدقائها. فالترحال وحده هو هذا النزع الذي لا يعني الخروج إلى العدم، بقدر ما يعني وميض التحرر الكامل من كل هذه القيود التي تفرضها الأقلمة، بفكّ وتركيب علاقاتها في سياقاتٍ مختلفة لإعادة تشكيل نفسها من جديد.

في عراءٍ شاسعٍ من صمتٍ يضغط على السمع كأنه هواءٌ ثقيل، تبدأ الرحلة بارتفاع الشمس، لتغدو الرمال مرآةً ضخمة تعكس وهجًا يكاد يذيب الظلال. ففي كل المشاهد تتجمع عناصر المنظر الطبيعي الجافة في الأشجار والكتل الحجرية والكثبان الميتة بكثافة القسوة، لا كحدثٍ عابر، بل مناخًا ثابتًا طوال الترحال، حتى انحسار الضوء مثل أنشودة قطرات المطر الأخيرة. ففي هذا المناخ تتشكل الروايات الشفهية للثقافات المحلية لدى السكان الأصليين عن أصل الأشياء في هذا العالم. فالتصحر، كما يخبرنا جيمس فريزر، لم يكن ليحدث إلا بسرقة النار المتنازع عليها منذ الأزل من فئران الماء والأسماك ــ النار الأولى التي كانا يحتفظان بها بعيدًا عن أيدي البشر في مكانٍ مكشوف وسط مجموعاتٍ من القصب في نهر موراي ــ قبل أن يكتشفهما الصقر وهما في طريقهما إلى شيّ الرخويات. ولأن الأسرار قد لا تموت، لم يكن بإمكانهما إيقافه عن التحليق عاليًا لينفخ ويثير زوبعةً بين عيدان القصب اليابسة، فتتوزع النيران في كل اتجاه، ويمتد الحريق إلى الغابة التي انقلبت إلى صحراء لم تنبت فيها شجرةٌ واحدة منذ ذلك اليوم. وسط هذا السحر كانت المغامِرة روبين ديفيدسون تقطع دربها بعد أن انضمّ إيدي، وهو أحد السكان الأصليين، لمرافقتها. لم يكن الصمت بينهما فراغًا، بل عجزًا في قدرة اللغة على الكلام، إلا أن التعبير الرمزي عن ثقافته كان يتمظهر في سيره البطيء متقدمًا الجمال، بجسدٍ متعب، ولحيةٍ مغبرة، وهيئةٍ رثّة تعبّر عن حزن الاغتراب في أرضه المسلوبة، كأنه قاربٌ قديم في بطن الرياح العاتية التي تقتلع السكون بسيف العواصف الرملية عبر الأفق. كان غياب البشر أثناء ترحال روبين في مجاهل الصحراء قبل انضمامه لا يعني سوى غياب المرجع الأصلي للمكان والامتداد، ممثلًا بحضوره الفائض المدهش من ألغاز الطبيعة الأسترالية والطقوس والمحاذير، كعدم ذبح الطرائد الممنوع على النساء في بيئته، واختيار الطرق الأنسب والأقصر، وتجنب المناطق المحظورة.

ظلّ الماء احتمالًا هشًّا، وازدادت مخاطر غيابه بعد أن قررت روبين أن تشقّ طريقها من الأرض المقدسة، بعد وصولهما، دون مرافق. عند هذا المشهد ينتهي التأريض النسبي في السياق الفكري الدولوزي، وتبدأ حالة مختلفة من نزعٍ للتأرّضُن المطلق في شكل حركةٍ أكثر صلابة وديناميكية، وتمثّل تحوّلًا نحو مستوى أعلى من العزلة والحرية. وهذا النزع لا بدّ أن يصاحبه شيءٌ من الفقدان بسبب التعلّق، خصوصًا بعد موت كلبها ديجي عند تناوله أحد المخلفات السامة من الأرض ليلًا. فعند هذه النقطة تحديدًا تدخل الرحالة في المهمة اللامتناهية للغياب، عندما يقدّم نفسه كشيءٍ لا يمكنها التحقق من اكتماله، لتزداد المشاهد جفافًا ــ تخلع روبين كل ما يشعرها بعدم الارتياح، وتمشي عاريةً لمسافاتٍ طويلة، تتبع نقاط جالونات الماء التي كان يتركها المصور ريك سمولان، مبتعدةً عن تطفّل المصورين الذين كانوا يلاحقونها. وليلًا كانت تُضرم النار في البرد بسهولة، بعد أن تمكّن البشر العاديون أمثالها، بفضل الكاريغاري*، من امتلاكها، وهي تفترش التراب ولا تفكّر في الغد، بل في شجرة الصنوبر الكبيرة التي تصل إلى السماء*؛ الشجرة التي كان يتسلّقها الرجال والنساء والأطفال قديمًا قبل أن تأكلها نيران الجفاف في الصحراء. كانت روبين تنظر إلى كل هؤلاء البشر الذين لم يتمكنوا من الهبوط مجددًا، وهم يتزيّنون بأنواعٍ من الزجاج يضعونها على رؤوسهم وأعناقهم ومرافقهم وركبهم وبعض الثنايا الأخرى من أجسادهم، مراقِبةً بريق حُليّهم الزجاجية، وهي تفكّر في ليل الصحراء الذي لا ينضب، وفي كل الأنوار الفضية التي تراها في عيون أسلاف المارا وقد تحوّلوا إلى نجوم.


* الأرض والتأرّضُن ونزع التأرّضُن: في فكر جيل دولوز، تشكّل الأرض حقلًا ديناميكيًا للطاقات والعلاقات، ليس مجرد فضاء جغرافي، بل مجال للصيرورة الفكرية والوجودية. التأرّضُن Territorialization هو عملية تكوّن الإقليم أو الاستقرار المؤقت داخل هذا الحقل، حيث تنضبط العلاقات والمعاني. في المقابل، نزع التأرّضُن Deterritorialization يمثل الحركة التي تخلخل هذا الاستقرار، فتحلّل الحدود وتفتح المجال لإعادة تشكيل العلاقات والهويات، ما يعكس صيرورة دائمة بين الاستقرار والتحرر، بين الإقامة والرحلة. ([Deleuze & Guattari, A Thousand Plateaus, 1980])

* روبين ديفيدسون؛؛ رحالة وكاتبة أسترالية لُقبت بـ “سيدة الجمال”. اشتهرت برحلتها المنفردة الملحمية عام 1977، حيث قطعت مسافة 2000 ميل عبر صحاري أستراليا القاحلة من “أليس سبرينغز” وصولاً إلى المحيط الهندي. قامت بدورها الممثلة الأسترالية ميا واسيكوفسكا.

* صقر.

* رواية شفهية واسعة الانتشار في الحكايات الاسترالية القديمة.

حمزة الفلاح
كاتب و باحث