رجل الماء

مقال: الشامانية، محمد عبدالله الترهوني

في مقال بعنوان: “ماكوانا صانعة المطر “ يقول كاتب المقال: بول ج. بان: “كانت ماكوانا التي يعني اسمها حرفيًا أم الأطفال، وفي جوهره يعني أم كل الناس، من أقوى صانعات المطر في وسط إفريقيا، كانت ماكوانا تترأس مجمعًا للمطر (مزار) له نفوذ يمتد على معظم أنحاء وسط ملاوي، كان ينظر إليها على أنها مُتصلة بالسماء، وبدونها، يعتقد الناس أن المطر لن يهطل والنساء قد يصبحن عاقرات، يقال أنها لا تستطيع قص شعرها أبدًا، لأن ذلك بمثابة قطع المطر، كانت قواها تحظى بتقدير كبير لدرجة أنها في أوائل القرن التاسع عشر كانت تتلقى جزية من مناطق بعيدة مثل زيمبابوي الحالية، والجزية كانت عبارة عن أشياء ثمينة مثل العاج، ويقال إن ماكوانا كانت تنام على سرير مصنوع من عاج الفيل مغطى بقماش أسود لإخفاء بياضه، لم يكن يُسمح بوجود أي شيء أبيض بالقرب من ماكوانا لأن ذلك يؤثر على هطول المطر.

 

كانت ماكوانا وسيطة روحية، وحارسة ضريح المطر في مسينجا، ورسول المطر. عندما تموت ماكوانا، كان الناس ينتظرون، أحيانًا لسنوات عديدة، حتى تظهر ماكوانا أخرى مسكونة بوضوح، تنطق بنبوءات، وتجيب على مجموعة من الأسئلة السرية، كانت طقوس استجلاب المطر تعرف باسم “مغويتسا”، في هذه الطقوس، كانت ماكوانا تذهب إلى بركة قريبة تسمى بركة ملاوي وتغمر نفسها فيها لمدة ثلاثة أيام. كانت المنطقة المحيطة بالبركة مقدسة، ولم يكن يسمح لأحد بدخولها سوى ماكوانا، أيضًا لم يكن يسمح بقطع الأشجار المحيطة بالبركة، ولم يكن مسموحًا لأحد بالصيد فيها أو الشرب منها أو الاغتسال فيها، كما كانت جميع الحيوانات والطيور المحيطة بالبركة مقدسة ومحمية. كانت تسمى هذه البركة أحيانًا “بركة الأجداد”، وكان يعتقد أنها أحد الأماكن التي قد يظهر فيها ثونغا، في الجزء العلني من طقوس “مغويتسا”، كانت ماكوانا وماتسانو (وهو الشخص الذي يضرب على الطبل) يرقصان ويرشان الماء في الهواء، تقدم القرابين، مثل الحيوانات السوداء، في المزار ويقال؛ إنه كان يهطل مطر غزير حتى قبل اكتمال الطقوس، إذا لم يهطل المطر، يُلام تسانغوما ويُقتل.”[1]

 

ماكوانا ليست شامانًا، هي شخص مسكون وهذا يعني أنها متلبسة روحيًا، يفرق ميرسيا إلياد بين رحلة الروح / التلبس الروحي، أما لويك لو كيليك فيقول أن “الشامانية والتلبس الروحي على طرفي نقيض، ويضيف قائلاً: الشامان ليس أداة للأرواح، بل سيدها … فهو الأَسْر لا المأسور، ومروض الأرواح لا دابة لها”[2]. الشامان مرتبط برحلة عندما يسود الجفاف ونظامه، عندما ينكشف أمامه الفضاء الشاسع ويسمع دوي الشمس عليه أن يقوم برحلته لجلب المطر، “أمهاتنا أعتدن على قول: عندما يسقط نجم من السماء فإنه يدخل حفرة الماء (القلتة)، وعندما يدخلها، يصدر صوتًا كصوت الارتعاش، نسمعه كصوت مطر ينهمر، وعندما يصل إلى حفرة الماء، يجتمع فيها[3]، يبرد النجم بعد سقوطه والمكان الذي سقط فيه يصبح حفرة الماء التي يدخلها الشامان وينطلق في رحلته إلى بيت الماء، تفسير سبب سقوط النجم لدى البوشمان هو أن شامان قد مات أثناء الغيبوبة وأخذ معه قوته إلى حفرة الماء، “عندما يموت يسقط قلبه كالمطر، يبدو كالمطر لأنه صوت قلب شامان يدخل حفرة الماء، ولأنه داخل حفرة الماء فهو حي، وهذا الماء هو نفسه الذي تسحب منه ثيران المطر”[4]، المطر بالنسبة للبوشمان رجل “وأعمدة المطر هي قدميه، وله نفس هو الضباب، أضلع المطر هي الغيم الداكن والكثيف”[5]، في كتاب “نماذج من الفولكلور البوشماني”، ينقل الكاتبان دبليو إتش آي بليك و إل سي لويد في الحكايات قول البوشمان: “رجل هو، مطر هو، أظن أنه كان ساحر الماء”[6]، وفي حكاية بعنوان: “مرأة من العرق القديم وثور المطر”، تقول الحكاية:

 

“كان المطر يُغازل فتاة شابة، بينما كانت الفتاة في كوخها، لأنها شعرت أنها مريضة، شم المطر رائحتها (المقصود هنا هو رائحة دم الدورة الشهرية) فخرج بسببها بينما كان المكان ضبابيًا” وتسأل الفتاة نفسها: “من يكون هذا الرجل الذي يأتي إليّ”، وفي مقطع آخر تقول: “لأن المطر أراد أن أذهب إلى حفرة الماء، حفرة الماء التي خرج منها وهو يتودد لها.”[7]

 

لم أرى أي جدارية تجعل المطـر رجـلاً إلا في وادي أين- طهارين فـي الأكاكـوس، في (شكل 1) تجسيد للمطر كرجل وتصديق لكلام البوشمان على أن للمطر أرجل هي أقدام المطر، وأضلع هي الغيم الكثيف الداكن، رأس الرجل مفتوح تسقط منهُ حبات وخيوط المطر، يديه تصلان إلى الأرض بشكل عمودي وكثيف، وقدميه مفتوحتان على الأرض لوصول الماء إليها، وفي نفس الوقت رأسه يكون حفرة الماء التي يريد الشامان الذي خلفه مباشرةً الوصول إليها، حركة الشامان تقول أنه في رحلته إلى بيت الماء، وأنه خرج من الحفرة التي يرمز إليها بقدمه المفتوحة في الوسط مكونةً حفرةَ الماء، ربما ليس هناك لوحة تجسد هذا المفهوم بشكل واضح لدى البوشمان، لكنها هنا في الأكاكوس تم تجسيد المفهوم بشكل باهر، في أدبيات الفن الصخري التي كتبها من وصلوا إلى ليبيا من العلماء حفرة الماء ما هي إلا وعاء للطحن كما في (شكل 2) من وادي أمها، بينما هي أساس في معتقدات وطقوس أهل سكان ليبيا في ذلك الوقت، وهنا يجب أن نذكر قول لور بلانشيه: “المعنى الدقيق للمعاني يقع خارج نطاق علم آثار ما قبل التاريخ، الذي يجب أن يكتفي بتواضع بفهم البنى بدلاً من معنى الأشكال التي يدرسها، بالمعنى الدقيق للكلمة”[8]، حفرة الماء أو القلتة هي بداية رحلة إلى عالم متعدد المستويات يقوم الشامان بها من أجل الوصول إلى بيت الماء وجلب المطر، يسافر الشامان ومعه حيوانه المساعد في رحلة عبر شبكة من المصاعب التي في نهايتها ينجح الشامان في السيطرة على الأرواح وهطول المطر، ودون التفسير الأركيو ــ شعري لن يكون لجدارية وادي أين- طهارين أي معنى، ودون استخدام الإثنوغرافيا كأداة للفهم فإننا سنكتفي بوصف باهت لا يمت للجدارية بصلة.  

 

1- Copy by shefa salem ©Teshuinat

1- ©David Coulson MBE, Trust for African Rock Art

2- ©Jitka Soukopova

 


[1] The Encyclopedia of Religion and Nature-Edited by: Bron Taylor-Published online:2010- p 1028-1030.

[2] Ethnographic Perspectives on Differentiating Shamans from other Ritual Intercessors- H. Sidky-Asian Ethnology Volume 69, Number 2 • 2010, 213–240.

[3] BELIEFS AND CUSTOMS OF THE |XAM BUSHMEN- D. F. BLEEK -Routledge- Published online: 31 Mar 2011- p 27.

[4] ibid. 32

[5] BELIEVING AND SEEING-meanings in southern San rock paintings-James David Lewis-Williams-University of Natal, Durban-1979- p 256.

[6] Specimens of Bushman Folklore -W.H.I. Bleek and L.C. Lloyd-Global Grey- 2018- p 87

[7] ibid.n.p

[8]  The Shamans of prehistory : trance and magic in the painted caves-Jean Clottes and David Lewis-Williams- Seuil-1996- p 79.

 

 

Mohammed Abdallah AlThrhuni
writer and researcher