خيوط النور

مقال: الشامانية | محمد عبدالله الترهوني

من وجهة نظر البعض كان ظهور فن العصر البليستوسيني وإبداع الفن الصخري مرتبطًا بالتغيرات العالمية، مثل سبل العيش والهجرة والتنظيم الاجتماعي، أما من وجهة نظرنا فإن السبب مرتبطٌ بالمناخ والتغيرات المناخية التي تحولت إلى كابوس يحتاج إلى قوة خارقة للطبيعة من أجل السيطرة عليه، وإذا تحدثنا عن  العصر البليستوسيني بالمعنى الواسع فهو يمتد من 1,75 مليون سنة إلى 10,000 سنة قبل الميلاد، وحقيقة الأمر أن السلوك الرمزي لم يظهر إلا قبل 100,000 سنة فقط، في مقال لفرنسوا غاز بعنوان: “التغيرات المناخية والهيدرولوجية في إفريقيا الاستوائية خلال المليون سنة الماضية” يقول: “عاشت إفريقيا تغيراتٍ مناخية وزيادةً تدريجية في الجفاف خلال 3,000,000 سنة الماضية بشكل أساسي بفعل الدورات المدارية المقترنة ببدء وتفاقم الدورات الجليدية في خطوط العرض العليا”.

 

هذه التغيرات ترتبط في نهايتها بظهور الشامانية ودين المطر في عموم إفريقيا، الشامانية في أساسها هي التعامل مع مشاكل ليس لها حدود معروفة، مشاكل تحتاج إلى تفاعل واعي مع قوة خارقة للسيطرة عليها من أجل الحصول على حلول لها، ولقد حقق الشامان ظهوره كشخص لديه قدرات خاصة، للتعامل مع هذه المشاكل من خلال الدخول في حالة نشوة تمكنه من التواصل مع الكائنات الخارقة، وأكبر هذه المشاكل هو الجفاف وغياب المطر الذي بدونه لا يمكن ضمان استمرار الحياة، شامان ما قبل التاريخ هو شخص لديه القدرة على التأثير في التغيرات المناخية وليس فقط التنبؤ بها، ليبيا جزء من إفريقيا والتغيرات المناخية فيها ساهمت في ظهور الشامانية، وفي نفس الوقت تساهم الشامانية في سياقات مناخية محددة في فهمنا للتغيرات المناخية والبيئية فيها.

يقع وادي البقر في حوض فزان في جنوب ليبيا، عند نقطة تقاطع خط طول 12.848928 مع خط العرض 27.597147، في هذا الوادي نقوش شامانية فريدة على صخور في الهواء الطلق، المنظور الشاماني وموضوع جلب المطر يسيطر على جداريات هذا الوادي (شكل 1) نرى شخصًا بقناع فيل في إطار إقامة طقوس النشوة الشامانية*.

 

 

1- Photo Louai A. Abdulhamid / Copy Shefa salem

 

 وخلف ظهر هذا الشخص نباتٌ يشبه الأزهار مرفوعًا إلى الأعلى. يُسمّى هذا النبات البوتشو، ويظهر في طقوس جلب المطر وإخراج حيوان المطر من حفرة الماء، ويُستخدم تقليديًا كمهدّئ أثناء طقوس الغيبوبة. وفي (شكل 2) نرى النبات نفسه على أذرع الرجل الذي يحاول تهدئة حيوان المطر. وفي (شكل 3) نجد شخصًا يمدّ يده بنبات البوتشو لتهدئة ثور المطر أثناء سحبه من حفرة الماء. وعلى يسار الصورة نجد شخصًا آخر بقناع، لكنه غير مكتمل بسبب عدم وضوحها. ويدلّ ذلك على أن هذا الشخص كان يرقص أثناء إقامة طقوس الغيبوبة، وأنه مقبل على جلب حيوان المطر، الذي يمثّل في حقيقة الأمر الماء في حفرة الماء. تغطي طقوس المطر معظم مواقع الفن الصخري في ليبيا، لكن هذه الطقوس، وفي غياب المنظور الشاماني، أُهمِلت بسبب تعقيد تفسيرها. وقد ساهم في هذا الإهمال عدم استخدام الإثنوغرافيا كأداة للتفسير؛ إذ جرى في كثير من الأحيان التركيز على البنية الشكلية، وإهمال هوية الجدارية نفسها والسياق الذي يمكن الحديث عنها فيه. كما أُهمِل وادي البقر بشكل كامل، ولم يظهر إلى الوجود إلا في صور لؤي عبد الحميد، وهو طالب مرشّح لنيل رسالة دكتوراه في الفلسفة.

2 Article Ed. Shirley-Ann Pager.

 

3 photo by Neil Lee, RARI archive

 

في جدارية أخرى (شكل 4) من وادي البقر، يقول لؤي عبدالحميد إنها “مشاهد لطيور وزهور وأشجار نخيل”، بينما ما يُرى صاعدًا إلى السماء ما هو إلا خيوط النور التي تُصوَّر في الفن الصخري بهذه الطريقة كما في (شكل 5).

4-Photo Louai A. Abdulhamid

5- photo by U & B Hallier Djado / Copy Shefa salem

 

وفي كتاب “علم آثار الشامانية” الذي حرّره نيل س. برايس، يتحدث لويس ويليامز عن اللوحة (شكل 6) في مقال بعنوان: “الشامانية في جنوب إفريقيا .. فن النقوش الصخرية في سياقاته الاجتماعية والمعرفية”، قائلًا:

“رسم صخري لرقصة شامانية، في المنتصف يرقص شخصان أو أكثر ممسكين بما يبدو كحبل مرصّع بنقاط بيضاء، إلى اليمين يحمل شخص آخر الحبل فوق رأسه، يمثل هذا الحبل خيوط النور الروحية التي يتسلقها الشامان وهو يصعد إلى السماء لجلب المطر”.

 

6- copy by Harald Pager.

 

 

هذه الخيوط تؤدي إلى عالم الأرواح، ولا يراها إلا الشامان صاحب القوة الخارقة. أثناء الرقصة، وفي ذروتها، يصعد الشامان روحيًا إلى بيت الماء، وأثناء صعوده تضرب النساء الأرض بأحجار مستديرة للتواصل مع عالم الأرواح. تمثل هذه الخيوط، كما في (شكل 7)، وعلى حد تعبير لويس ويليامز، مسار الشامان في رحلة الخروج من الجسد. وهذا الكلام مدعوم بقول المخبرين شيشاي دكساو وشيشاي شو، اللذين قالا إن الخيط هو القدرة الخارقة للطبيعة المعروفة باسم n/om، وكذلك بواسطة أوما دجو الذي قال إنه شيء من niom. في هذه الرحلة يمر الشامان عبر حفرة الماء التي تُصوَّر كقلتة على الأرض أو في الجدار القائم داخل المأوى.

 

7- recorded by J. D. Lewis-Williams

 

تظهر هذه الخيوط في وادي البقر (شكل 8) وتُصوّر رحلة الشامان إلى عالم الأرواح. في الوسط، الشامان في بداية الرحلة وفوق رأسه خيوط النور. وضعية جسد الشامان تعطينا انطباعًا بحالة الصعود إلى الأعلى وبداية الرحلة. على اليمين، نجد الشامان وقد خرج من جسده وتحول إلى روح صاعدة إلى الأعلى. في هذا الجزء من الرحلة، ليس هناك جسد واضح، بل هناك ما يشبه السائل الشفاف الذي يرمز لروح الشامان. أيضًا، في هذا الجزء، الروح متصلة تمامًا بخيوط النور وفي خضم الصعود إلى عالم الأرواح حيث بيت الماء. الجزء على اليسار يمثل شبكة الصعوبات التي يمر بها الشامان والصراعات التي يخوضها للوصول إلى بيت الماء.

 

8- Photo Louai A. Abdulhamid / Copy Shefa salem

 

بالعودة إلى الجدارية (شكل 4)، والتي قال عنها لؤي عبدالحميد إنها تحتوي على نخل وأزهار وطيور، نعتقد أنها جدارية غير مكتملة بسبب التصوير والتركيز فقط على وسط الجدارية. مهما يكن من أمر، فإن مثل هذه الجداريات التي يُقال عنها تجريدية وغير مفهومة، هي في حقيقة الأمر، ومن المنظور الإثنوغرافي الشاماني، قابلة للتفسير والفهم. تسلق خيوط النور هو استعارة للوصول إلى مكان المطر الذي توقف عن الهطول. التغيرات المناخية فرضت على الشامان اختراع هذه الرحلة والوصول إلى مكان المطر، والتفاوض مع الأرواح والصراع معها إذا لزم الأمر لترك زمام المطر. أثناء رقصة النشوة، يرى الشامان هذه الخيوط، وفي حالة الوعي المتغيرة يقوم بتسلقها للوصول إلى بيت الماء. وإذا لم ينجح في التسلق وسقط (أي خرج من حالة الوعي المتغيرة قبل وصوله)، يبقى بعيدًا عن الناس، ولا يعود إلا أثناء الليل ليحاول مرة أخرى في يوم آخر يكون الحظ فيه إلى جانبه ويهطل المطر.


* للمزيد حول الفيل وعلاقته بالمطر يمكن العودة لمقال “ الفيل صانع المطر ” على موقع تشوينت.

 

محمد عبدالله الترهوني
كاتب و باحث