جبل القليب
أسطورة تحولت إلى مكان

مقال: جيوبواتيك، محمد عبدالله الترهوني

القليب* مكان مرجعي في هذا النص ويشير إلى مكان حقيقي، وما سأقوم به هو نزع الواقعية عن هذا المكان الذي يظهر أمامك كجسد جميل لفكرة الصمت، يجلس لقليب بهدوء وسط حوض صخري غامض بقدر ما هو عصي على الفهم، يُقال أن هذا الجبل جاء على شكل رجل يمشي على قدمين ومعه حلمه، وعندما تعب من السير جلس واتخذ أبعاد كتلة حجرية، الناس مع الوقت اعتبروه صخرة برزت فجأة من الأرض، لكن حلمه كان ينمو في داخله ومعه الحجر إلى أن أصبح جبلاً، تقول الحكايات أن هناك مدخلاً سريًا يصل إلى زمن الحيوانات الإفريقية الكبيرة، وبعض الحكايات تقول أن هناك ممرًا داخل القليب يربطه بالأكاكوس، لكن حواف الجبل كانت تحكي زمن الماء الذي سبق رعب الجفاف، كنا جالسين حمزة وأنا فوق قمة شعبة القلتة وشعرنا بأن الجبل كان يعدل جلسته ليمارس علينا تأثيره الخفي والسري، وعلى وشك أن يكلمنا عن وحدته عندما سمعنا صوت طائر اللقلق المنقوش على حجر قريب وهو يقول:

“هذا الجبل البيضاوي كان يقف وسط مسطح مائي عظيم، وكتب في تلك الفترة قصائد مبهمة، وتعلم من رجال حزانى حتى الموت كيف يرسم أحلامه على الحجارة”.

كانت الحجارة في ذلك الوقت تصدر همهمة وغناء وتشارك في طقوس المطر، خلف القليب وادي تاجنت الذي يمضغ الطقوس ليصنع منها دوامات الزمن الشاماني، ووادي السرط الذي عندما كنا فيه شعرنا أن شيئًا ما يبكي. الناس في سوكنة يقولون عن القليب كلمات غامضة كغيبوبة شامان، قالوا: أنهم سمعوا صرخات الأرواح وهي تخرج من حجارة القليب، صرخات تنفض غبار الحزن وتوقظ ضباب الفجائع، قالوا أيضًا: أن هذه الأرواح تسهر على حماية القبر القريب من الجبل. الكثير من هؤلاء الناس سمعوا موسيقى وصرخات تشبه نشوة الماء، وقد سمعنا العديد من هذه الحكايات، وقررنا أن نأخذ الطريق المباشر إلى الرسائل الأسطورية التي يرسلها لنا الجبل من مسافة بعيدة، طائر اللقلق لم تعجبه نبرة الحجر الذي سقط من يد مجهولة، جلسنا وأمامنا القليب مباشرةً في الوقت الذي كانت فيه الشمس تتعثر في حجر أخير، خلفنا شعبة القلتة تلك الذاكرة الحجرية لمشهد مدمر، هذا المعبد الذي دمره زلزال من ضحك الجنيات الصاخب، وتحول إلى مئات من الجداول الصخرية المتناثرة. على صخرة قريبة ثور يذكرنا بالعواصف، وعلى أخرى بقرة تذكرنا برذاذ المطر، ورجل غامض بقناع طقسي يحلم بوعود لن تتحقق. صخور كثيرة في هذه الشعبة غطاها التراب تنام على حوافها النعامات وأرواح الموتى. القليب ينظر إلى الغروب شارد الذهن، منصتًا  إلى صرير الحجارة في وادي السرط وصوت الطبول البدائية في الملاجئ، وقصص الاستكشاف المآساوية التي تسير مع الحجر المتدفق مثل نهر من غبار، قصة ذلك الإثنوغرافي الذي وضع خده على ضمير الأرض ونام، والأنثربولوجي الذي أخذ معه وهو عائد إلى بيته حجر جريح وابتسامة على شفتيه، حتى تلك الآونة من تأملنا بدا لنا أن القليب كان منزعجًا من دخان سجائرنا الذي ملء أنفه، فقال طائر اللقلق وكأنه يتحدث على لسانه ليخاطبنا:

 

“ليس هناك تعويذة تخلص الجبل من مسارات النسيان، ليس هناك تعويذة قد تخلصكم من رحم الحجر الذي ينمو في قلوب الرجال، مثلكم تمامًا وصل الجبل ومعه حلمه، فسحرته الوحدة وشرب ماء الريح الجامحة، ها قد أصبحتم مثل حجر برز فجأةً من الأرض، ها أنا أراكم الآن وأنتم تأخذون أبعاد كتلة حجرية، وتحولتم إلى كتلة من العزلة تتدحرج إلى الممر الذي يصل إلى العزاء الأبدي في قلب حجر ناعم.”

 

 

قبر قليب فرجان

 

يقف لقليب وحده مثل راهب فطري سقط النوم من رموشه ومعه حلم المطر، يقف لقليب عاريًا وكلماته تنحني أمام ريح القبلي من تلقاء نفسها، لم يؤثر الفراغ الواسع في القليب فهو غارقٌ دائمًا في حلم يصعب وصفه، كل ما كان يفعله هو النظر إلى القطع الحجرية التي نُقش عليها، وما تبقى من جماليات الأرض، أحيانًا يرمش بسبب ابتسامة الشمس المفاجئة، أحيانًا يتذكر حزنه الأول الذي يظهر كبريق له مفهوم بالغ التعقيد، من اللحظة الأولى التي رأينا فيها القليب شعرنا بأنه سرٌ مقلقٌ ومدفون في داخلنا، لأنه ينفتح على عوالم أخرى، وعلى عصور كانت فيها النشوة نسيان لا نهائي، ونحن في طريق العودة من شعبة القلتة توقفنا عند القبر عند سفح الجبل، قبر كبير فيه سرير مزدوج ينام فيه ملكٌ محاطٌ بأزيز الحجارة، قلبَ امحمد الحجر الذي تحت قدمه فوجدنا عليه نقش لغزال يبحث عن الماء في زمن الجفاف، تخيل حمزة أن النائم في القبر هو ملك الذين يسكنون الرمال وهم قبيلة النسامونيس، كان مبتسمًا وهو يقول النسامونيس يمكنهم التنفس تحت الرمال، ربما هو حي والقليب هو الباب المفتوح الذي ينظر منه إلى ليبيا، وعندما يحل الظلام يذهب لشراء بعض الشموع الصغيرة ويلعن هذا الرحم الصدئ الذي وجد نفسه فيه، لم يفارق الغزال المنقوش على الصخرة الصغيرة خيالي، هناك ما هو أكثر من غزال منسي على حجر رمادي داكن، هناك حضارة تحدق في السماء وهي نائمة مع الملك في قبره السري الآمن، حضارة التلال التي تتدفق في كل وادي من أودية الصحراء المثقلة بالجاذبية وعبوس مصاريع التاريخ المقفلة.


* هو جبلٌ مخروطيّ الشكل، نتج عن اندفاع صهارة بركانية خلال تشكّل السلاسل الجبلية المحيطة به. يربض في قلب مساحة شاسعة تتقاطع فيها عدة أودية وشِعاب، ليغدو عَلَمًا جغرافيًا بارزًا في المنطقة، كأنه في انتظار قدوم مياه وادي زقّار، ليجمعها مع مياه أودية السلطان ووليّان وأنقيبو، ثم يرسلها مجتمعة نحو الشمال. ويُذكر أن أهل المنطقة أطلقوا عليه قديمًا اسم «قُليب»، وهو تصغير لكلمة القلب، في دلالة رمزية على موقعه المتوسط، وكأنه قلب المكان النابض.

محمد عبدالله الترهوني
كاتب و باحث