الموضة في ليبيا ما قبل التاريخ

مقال: انثروبولوجبا، محمد عبدالله الترهوني

الأزياء سلعة ثقافية وحياة اجتماعية، كل السلع ثقافية لكن الأزياء تقدم سيرة ذاتية للمجتمعات، الموضة تحرك العالم، وهذه حقيقة يجب الاعتراف بها. الموضة أحيانًا تكون معادية عندما لا تخدم أهداف النظام العالمي، ولهذا هناك دعوة لاستبدالها بملابس عادلة ومحلية ومناهضة للذوق الاستعماري، وفي البداية علينا أن نتفق أن اللباس ليس هو الموضة، اللباس ممارسة اجتماعية قام بها الإنسان لآلاف السنين، أما الموضة فهو موضوع اقتصادي ونتاج للرأسمالية الصناعية، مارغريتا ريفيير، تُشبه الموضة “بالسردية المنتشرة التي حشدت الناس على نطاق واسع في هذا العصر لرؤية وشراء وتجسيد هذه الرواية في أنفسهم.

 

إذا وضعنا جانبًا المظاهر التافهة والبراقة لمجتمع الاستهلاك، يجب أن نعترف بأن الموضة ضرورية، فالملابس كانت هاجس الانسان عبر تاريخه الطويل، وكل مجتمع وضع مفاهيمه الخاصة عن اللباس ومكانته الاجتماعية، هناك لباس مقدس، ولباس للحرب، ولباس يعبر عن الوظيفة الاجتماعية، في المجتمعات الاستهلاكية تظهر الموضة لدافع استهلاكي، أما في مجتمعات العالم الثالث إذا ظهرت صناعة الموضة محليًا فالدافع هو تاريخي وثقافي وأيضًا بدائي في بعض جوانبه، ولأن الملابس أصبحت نوعًا من الميديا فإن الشخص من العالم الثالث يريد من الملابس تقديم صورة عن هويته، هذا الأمر يُصعب من مهمة العاملين في مجال الموضة في هذه البلدان، لأنهم ملزمون باكتساب المعرفة التاريخية والجغرافية والاجتماعية والأثرية والأنثربولوجية والإثنوغرافية لأوطانهم، بدون هذه المعرفة لا يمكن التفريق بين ما يمكن أن يكون مصدرًا للإلهام أو الاختلاف، وفي هذا السياق المعرفة يُنظر إليها كعملية مكوّنة من الفهم والتفسير.

إن الجانب البارز في الموضة؛ هو أنها تشكل تاريخ الحوار بين الإنسان والأشياء، الفن الصخري الليبي يقدم هذا الحوار التاريخي، الذي يمنحنا صورة شبه واضحة عن الذوق والثقافة وأسلوب الحياة، هذا غير الأمور الأخرى التي يمكن للأزياء أن تقدم عنها تقريرًا مفصلاً، ومن هذه الأمور التغيرات المناخية، التحول في طريقة اللباس، والتعامل مع البيئة القاحلة، اختلاف أزياء الرعاة عن الصيادين وجامعي الثمار، اختلاف الملابس بين الجنسين، بروز بعض الملابس التي تظهر المكانة الدينية والاجتماعية، إضافة إلى زينة الرجال والنساء، نحن نتعامل مع جداريات الفن الصخري كمادة بصرية “صور” دون الحديث عن قصد الفنان الذي نقشها أو رسمها على الجدار، إضافةً إلى أخذ نوايا وأيديولوجيا المصور بعين الاعتبار، لهذا هناك مشكلة تفسيرية مضاعفة عندما يتعلق الأمر بالصورة كمادة بحثية في الفن الصخري، هناك عين الذي رسم أو نقش الجدارية وعين المصور الفوتوغرافي بثقافته الحديثة، وهناك سطح الصورة الفوتوغرافية وأيضًا عمق الجدار الذي تتسلل منه الأرواح إلى العالم الآخر، لكن ومع ذلك تبقى الصورة الفوتوغرافية جزء من العمل الميداني وتكون مفيدة عندما تُقرأ في سياقها.

 

في السابق ومنذ اكتشاف التاميرا كان النسخ باليد هو الإجراء الميداني المتبع، بعدها تم استخدام ورقة بلاستيكية شفافة تلصق على الجدار ثم يقوم الباحث بإعادة إنتاج الجدارية، وفي كلتا الحالتين لا يمكن تفادي الوقوع في الخطأ الذي قد يصل إلى حد التزوير، أما الصورة وبسبب تركيزها الحاد فهي تساعدنا على رؤية كل التفاصيل بدقة أكبر، وعلى الرغم من هذه الدقة الكبيرة فإن الأمر يبدو صعب للغاية، لأن الباحث الميداني عادة ما يكون مشغولاً بالنص الذي سيكتبه وليس الصورة الجاهزة للرؤية، أيضًا المعينة نفسها تحتاج إلى أن نتعلم كيفية الاستجابة لها بدقة بصرية. في هذه الدراسة سوف نستخدم الصورة الفوتوغرافية كأداة للبحث والتفسير، فهي وسيلة لتسجيل معلومات وتفاصيل كثيرة بشكل أصيل وسريع، وفي كثير من الأحيان يتم العودة إلى صور كانت بالنسبة لمن صورها هامشية، وخارج إطار اهتمامهم في تلك اللحظة، أو بمعنى آخر قد تستخدم الصورة الملتقطة لغرض ما له هدف آخر وبنظرة مختلفة، الصورة هي حالة إثنوغرافية تكشف عن ثقافة ما، إنها ساحة معلومات ومساحة لتبادل الرسائل، هذه الرسائل تتغير بتغير فهمنا وتوسع معلوماتنا عن موضوع الصورة، وكمثال على ذلك في (شكل 1) وهي صورة من كتاب فابريزيو موري “تادرارت الأكاكوس”، الصورة لنقش من تين لالان من الدور الرعوي القديم وضعها موري تحت عنوان: “منظر اقتران”، يقول موري عن هذه الصورة:

 

“ونرى في منظر الاقتران هذا امرأةٌ مستلقية إلى جهة اليسار، وقد انفرج طرفاها الأسفلان ووضعت عليهما يديها، ورُسم الوجه فقط جانبيًا أما باقي الجسم فقد جاء في وضع مواجه، وقد أبرز هذا الوضع بعض العوامل مثل الشكل والوضع والحلي إضافةً إلى العناية التي نفذ بها الرسم. الشعر متهدل ينزل في خطوط متوازية نقطيًا، وقد اختفت أو خُربت ملامح الوجه مع شظايا الصخر. وتبدو جليًا قلادةٌ في شكل شبكي أما الرقبة فـ طويلة ورقيقة وتنفصل عن كتفين واسعين يتدلى منهما ما يشبه صدرية مستطيلة في شكل شبكي وذات هَذاب يتدلى متوازيًا وتترك هذه جزءًا من الرقبة عاريًا في شكل زاوية حادة. ويُرى سوار على كل من الساعد الأيمن وعلى الرسغ الأيسر من نفس الطراز ويكتمل الزي بحزام واسع يلّف الخصر، ولا تبدو على الجسم أية حلي أخرى ولا ملابس كما لا تُبين الأثداء”.

1- تين لالان ©Mori

رسم شفاء سالم

يصف موري القلادة؛ بأنها في شكل شبكي وصدرية مستطيلة في شكل شبكي، أيضًا سوار على الساعد الأيمن وعلى الرسغ الأيسر من نفس الطراز (يقصد أنها شبكية)، هذا غير الشعر المتهدل وينزل في خطوط متوازية نقطيًا، هذه الزينة الشبكية هل هي فعلاً حلي؟ لا يمكن أن تكون حليًا بأي حال من الأحوال، لو أنها حليًا كنا استطعنا القول أن الشبكة على رجل الشكل الكبير (شكل 2) أنها حلي، تعتبر الشبكة رمز من رموز الشامانية وتظهر أثناء غيبوبة الشامان، يقول ج. د. لويس ويليامز و ت. أ. داوسون: المرحلة الأولى من مراحل الغيبوبة، تتميز بظواهر داخلية للعين، يمكن العثور على ستة من الأشكال الهندسية في الرؤى الداخلية، النقاط، الخطوط المتعرجة، الشبكات، الخطوط المتموجة المتوازية، وأنماط قرص العسل، أيضا قوله “الشعر المتهدل وينزل في خطوط متوازية نقطيًا”، هذه النقاط في حقيقة الأمر هي أحد رموز الشامانية، أهم عمل يقوم به الشامان لمجتمعه؛ هو الصعود إلى بيت الماء وجلب المطر، أيضًا الرجل (شكل 3) الذي يقترح موري: أنه يقترن بالمرأة المستلقية ويرتدي رأس حيوان كقناع هو كائن هجين، هذا الكائن بحسب توماس أ. داوسون يُفسر في المعتقدات الشامانية بأنه الشامان وقد تحول إلى الحيوان الذي يمتلك قوته الخارقة، أما موضوع الجنس فهو وبحسب آي. إم. لويس في مقال بعنوان: “الغيبوبة، التلبس، الشامانية والجنس” ليس أكثر من صورة رمزية لحالة النشوة، التي يكون فيها الشامان عند الدخول في الغيبوبة، والجدارية في حقيقة الأمر مجرد محاكاة لعملية اقتران الشامان بالروح المساعدة أثناء الغيبوبة، وهذه الروح عادةً ما تكون مرأة وتسمى الروح الحامية، لأنها تدافع عن الشامان في مواجهة الأرواح الشريرة، التي تحاول منعه من الوصول إلى بيت الماء، هذه مجرد رسالة تصف حالة الشامان والنشوة، التي يشعر بها أثناء رحلته أثناء الغيبوبة، والدليل على ذلك حجم الأعضاء الجنسية المبالغ فيه، الذي يعطينا إحساس بأن المقصود هو أمر آخر. أيضًا يعتقد موري أن ملامح الوجه قد خربت بينما المرأة تنزف من أنفها وهو في الشامانية دليل على الدخول في الغيبوبة.

2- انشال, ©Mori

©tara/ david coulson Copyright TARA/ David Coulson

رسم شفاء سالم

هذا مجرد مثال عن تغير الفهم ومعه تغير الرسالة التي تريد الصورة إيصالها، فما يراه موري حلي وزينة وموضة في ذلك العصر ما هو إلا رموز دينية وطقسية شامانية، ارتداء الملابس والزينة في ما قبل التاريخ ليس أكثر من تصريح لقيام شخص ما بفعل معين، الأقنعة مثلاً يمكن أن ننظر إليها كجزء من اللباس لا أكثر، ويمكن التفكير فيها كرمز يغير هوية الشخص ميتافيزيقيًا ليكون مؤهلاً للقيام بدور طقسي، وهذا لا يعني أن الملابس كانت محل تركيز واهتمام فنان ما قبل التاريخ في كل الأدوار، مثلاً في دور الحيوانات الإفريقية الكبيرة الذي يعود تاريخهُ إلى العصر البليستوسيني (شكل 4)، كان الفنان فيهِ مهتمًا جدًا بنقش الحيوانات الكبيرة، الفيل، وحيد القرن، الزرافة، النعام، وإذا ظهر الإنسان في هذه اللوحات فهو صغير الحجم جدًا مقارنةً بالحيوان، في لوحة من تين أسغ في الأكاكوس تظهر فيها ثلاث زرافات وجاموس وشخص صغير الحجم يرتدي ثوب مصنوع من جلد حيوان مُرقط، الثوب يكشف الذراعين والساقين على طريقة ملابس الرعاة القدامى، على العكس من ذلك في دور الحصان وهو آخر أدوار ما قبل التاريخ نجد الفنان مهتمًا بالملابس ووضعية الشخص في الجدارية، كمثال على ذلك صورة من غرب عفار في الأكاكوس تظهر امرأة تلبس فستان قصير وخصرها مشدود بحزام أبيض (شكل 5)، وما يلفت الانتباه هو الخواتم في أصابعها النحيلة للغاية وأساور متعددة في ذراعيها، وما يشبه الخلخال في القدمين، وعلى رأسها غطاء وعنقها مزين بقلادة، وتحمل في يدها ما يمكن أن يكون حقيبة أو شيء من هذا القبيل، وهذا ليس كل شيء، فالغريب حقًا هو وقفتها الاستعراضية التي لا تختلف عن أي عارضة أزياء اليوم، دور الحصان يعتبر فترة انحطاط الفن الصخري، لكن في هذا الدور بالذات أصبح الإنسان هو محل الاهتمام بعد اختفاء الحيوانات الكبيرة بسبب الجفاف.

 

4- ©A. Muzzolini,1991

5- عفار, Drawing by Shefa salem

 

في وادي عويص نجد صورة أخرى لمرأة ترتدي نفس نوع الملابس (شكل 6)، سترة قصيرة مشدودة عند الخصر، وتنتهي عند منتصف الفخذ، يدها اليمنى تمسك بعصا ومعلق في ذراعها ما يشبه الحقيبة، يتدلى من ذراع يدها اليسرى شيء يشبه القطعة الجلدية. إن  تشابه الملابس يدل على أن السترة القصيرة المشدودة عند الحزام، كانت هي موضة تلك الفترة في أماكن مختلفة من منطقة الأكاكوس، ويجب معرفة أن هذه السترة يرتديها الرجال أيضًا، ولهذا السبب يُظهر فنان ما قبل التاريخ الأثداء في شكل مثلث على يمين ويسار الجسد للتفريق بين الجنسين، السترة كانت تُغطي كامل الجزء العلوي من الجسد، وظهور الأثداء على اليمين واليسار هو رمز الإناث في الجداريات، في دور الحصان المعروف هو أن رؤوس الشخصيات تشبه العصي، وتشريحها ثنائي المثلث (شكل 7)،

6- وادي عويص

7- وادي الآجال

والفن الصخري في هذا الدور متهم بالجمود ولا توجد فيه تلك الحركة، التي تجسدها الحيوانات الكبيرة، والحقيقة أن هذا الدور ركز على أن تكون صورة الشخص فوتوغرافية، فما يعتقد أنه جمود هو في الحقيقة بداية التفكير في الصورة الفوتوغرافية التي تختفي فيها الحركة، والأسلوب ثنائي المثلث ليس جديد كما يعتقد البعض، فهو مستوحى من الأحزمة المتقاطعة الموجودة في دور الحيوانات الإفريقية الكبيرة (شكل أ ب ج 8) من الأكاكوس، هذه الأحزمة كانت تظهر فقط على الصدر، لكنها تحولت إلى أسلوب لباس في كل أدوار ما قبل التاريخ وظهرت بشكل مباشر في دور الحصان، لقد تطورت مجموعة أزياء ثنائي المثلث على أساس رمزي ديني وليس مجرد تغيير عابر في طريقة اللباس، وهو رمز الهوية الليبية منذ البداية.

 

8-أ- الأكاكوس, ©Léone Allard-Huard

8-ب- الأكاكوس, ©Léone Allard-Huard

8-ج- الأكاكوس, ©Léone Allard-Huard

 

(في شكل 9) منحوتتان لشخصين ليبيين يرتديان الأحزمة المتقاطعة؛ أحدهما موجود في متحف اللوفر – فرنسا، والآخر في القاهرة. تتكوّن الأشرطة من شريطين من الجلد يلتفّان حول الجسم بحيث يتقاطعان في منتصف الصدر. كل شريط من الشريطين مُقسَّم طوليًا إلى ثلاث مناطق متمايزة، وفي المركز سلسلة من الخطوط الأفقية المتقاربة جدًا، وعلى الحافة أنماط دائرية أو رباعية الأضلاع مرتّبة بانتظام.

 

9- ©Musée du Louvre, Paris.

 

المثلث هو رمز الماء، و الـخط المتموج الذي يظهر في شكل مثلثات متجاورة هو رمز الماء في ما قبل التاريخ، في (شكل 10 و11) نرى بوضوح هذا الرمز الخاص بالماء في جداريات من أماكن مختلفة حول العالم، وفي ليبيا يظهر المثلث كرمز للجبل والماء أو رمز لجبل الماء.

10- جنوب افريقيا, ©woodhouse.

11- ©David S. Whitley and Lawrence L. Loendorf, editors.

 

في (شكل 12) وهو صورة لشاهد قبر من جرمة، يأخذ الشكل المثلث الذي يرمز لجبل الماء، وفي (شكل 13)  تظهر رموز ثنائي المثلث منقوشة على الشاهد، وربما من نقشها كان يأمل أن يصل الميت إلى جبل الماء بسلام، مهما يكن من أمر فإن الاهتمام بموضوع الملابس بدأ يظهر بوضوح في دور الحصان، وخاصة الألفية الأولى قبل الميلاد، وظهرت الأحزمة المتقاطعة كأسلوب في رسم ونقش الشخصيات، وهذا يعني أن الماء ورموزه في الفترة القاحلة تحولت من مجرد رموز بسيطة وأصبحت رموزًا رئيسية

 

12- ©THE ARCHAEOLOGY OF FAZZAN

13- ©THE ARCHAEOLOGY OF FAZZAN

 

هذا التغيير لم يكن حكرًا على الرجال فقط، النساء أيضًا كن يلبسن فساتين من نوع ثنائي المثلث، لكن مع الاستغناء عن التنورة واستبدالها بفستان طويل مشدود عند الخصر كما في (شكل14)، في دور الرعاة القدامى كانت الأزياء الخاصة بالرجال والنساء متقاربة للغاية، وفي أغلب الأحيان تتكون من ما يشبه الفستان الطويل المشدود عند الخصر ليكون شكل ثنائي المثلث (شكل 15)، وفي نفس الفترة تُظهر أزياء الصيادين اختلافًا جوهريًا كما في (شكل16) من وان إميل في الأكاكوس، حيث نجد تنورة من جلد حيوان في شكل شبكي وبأسلوب مميز جدًا، لكن حتى هذه التنورة تعطينا إحساسًا أنها في إطار عالم أزياء الثنائي المثلث.

 

14- أنشال

15- تاسيلي

16- وان اميل

 

في الدور الرعوي الحديث، الذي يتداخل مع دور الحصان، ظهرت نماذج جديدة من الأزياء (شكل17)، في هذا النموذج يرتدي الرجال المرسومون بالأبيض والبني المصفر عباءةً على الظهر، ويضعون عصابةَ رأسٍ مزينةً بريشة. ونجد هذا النموذج أيضًا في وادي رحمالين، مع اختلافٍ يتمثل في أن العباءة في هذا النموذج مربوطة عند الركبتين. هذه الشخصيات مرسومة بشكل جانبي على غير العادة في دور الحصان. وقد وضع موري هذه المجموعة، التي يعتقد أنها متوسطية، في الدور الرعوي الوسيط، وهو ما لم يقبله بعض العلماء. ويُعتقد أن هذه المجموعة قد قامت بغزو وان إميل وتين عنيوين، وربما قيل بذلك بسبب أن هذه الأشكال لها شعر أشقر، ومرسومة بطريقة ليست ثنائية المثلث بشكل كامل. ومع ذلك، فإن دروعهم المستديرة الصغيرة تضعهم في دائرة أسلوب المحارب الليبي.

 

17- وان اميل

 

في وان موهجاج، جدارية فيها الكثير من الأشخاص المرسومين باللون الأبيض، واثنان منهم فقط تغطيهم الأردية (شكل18) يقول موري عن هذه الجدارية إنها من نوع فرعوني، ولا أجد أي سبب معقول يجعلهم فراعنة إلا خيال موري. مهما يكن من أمر، هذه النوعية من الأزياء ظهرت في وان موهجاج وتين عنيوين ووان إميل ورحمالين، وهذا يعني أنها منتشرة في الأكاكوس. وجود الريش على رؤوسهم ونوعية لباسهم تجعلهم من طبقة معينة من المجتمع، أو ربما هم من الطبقة الدينية التي تشرف على إقامة الطقوس. لا تُخرج هذه النوعية من الأزياء من يرتديها من أسلوب ثنائي المثلث بشكل كامل، وقد تكون هي تطور حدث لتمييز أزياء فئة أو عرق معين من الناس.

 

18- وان موهجاج, ©Mori.

 

إن المثلث كنمط هو أسلوب معروف عالميًا باسم: “المحارب الليبي”، وهذا الأسلوب تخطيطي هندسي يفضل الخطوط المستقيمة والزوايا الحادة. الشخصيات في هذا الأسلوب تظهر مسلحة غالبًا، ومن هنا جاءت تسمية هذا الأسلوب، لكن ليس دائمًا، فقد عُثر على جداريات فيها شخصيات بذات الأسلوب، ولكنها غير مسلحة، هذا الأسلوب موجود في الأكاكوس (شكل19)، المساك (شكل20)، وادي الآجال (شكل21)، شمال فزان ويكاد يكون موجودًا في كل الصحراء الليبية، عادةً ما تلبس هذه الشخصيات سترات متوسطة الطول وضيقة عند الخصر مكوّنةً شكل ثنائي المثلث، وفي الغالب يتم ربط هذا الأسلوب بدور الحصان والمحاربين والعربات التي تجرها الخيول، أيضًا هناك ربط بين استبدال القوس، والسهم بالرماح ذات الرؤوس المعدنية وهذا الأسلوب، لكن الحقيقة هي أن المثلث كان رمز الماء والخصوبة والارتقاء الروحي  في الأكاكوس وغيرها، ومن هذا المنطلق يجب أن ندرك أن دور الحصان هو في حقيقة الأمر دور الفوتوغرافيا في الفن الصخري الليبي، وهو دور تناول فيه فنان ما قبل التاريخ موضوع الهوية في اللباس

20- وادي الآجال

21- وادي تاكنوين، المساك، المساك

21- وادي ان ارهار، المساك

 

وأخيرًا لابد من التذكير بتسريحة الشعر المميزة لدى أسلافنا القدماء (شكل 22) و (شكل 23)، وكما أن اللباس ثنائي المثلث ليس حكرًا على الرجال فقط، كانت تصفيفة الشعر أيضًا مشتركة بين الجنسين.

 

22- وان اميل, Shefa salem

23- وان اميل, Shefa salem

محمد عبدالله الترهوني
كاتب و باحث