
الشامان والعبور إلى الطرف الآخر من الحلم
مقال: الشامانية، محمد عبدالله الترهوني
منذ الآلاف السنين رسم ونقش الإنسان على الصخور، وعلى جدران الملاجئ، وفي الهواء الطلق، رغم احتجاج البعض على تسمية هذه النقوش واللوحات باسم الفن الصخري، إلا أننا نرى أنه الاسم الوحيد الممكن، لأن الرمز شيء يمثل شيئًا آخر بالارتباط أو التشابه أو الاصطلاح، وخاصة إذا كان جسمًا مرئيًا يُستخدم لتمثيل شيء غير مرئي، وهذا ينطبق على أي نوع من أنواع الفنون، بداية من الفن الصخري إلى يومنا هذا، وعلى الرغم من أن الكثير من علماء الآثار دخلوا مجال أبحاث الفن الصخري، إلا أن قبول هذا الفن كان بطيئًا في أوروبا وأمريكا وباقي دول العالم، ولم يُنظر إلى هذه الدراسات كمجال فرعي محترم إلا بعد تقديم القليل من علماء الآثار والهواة والكتاب المستكشفين والمتعلقين بالأرض الكثير من الجهد والتفاني في الترويج له، وقد عرف الفن الصخري الإفريقي، بالذات، أنواعًا من السرقة والانتهاك المعرفي أكثر من أي مكان آخر، في الفترة الاستعمارية تم نقل كل ما يمكن من الفن المنقول إلى متاحف أوروبا، وبعد الاستعمار وصلت البعثات الاستكشافية بثقافتها الغربية وإسقاطها على جداريات الفن الصخري، كانت هنـاك معارض خاصة فـي باريس وباقي دول العالم للفـن الصخري الإفـريقي لا يعلم أصحابها عنها شيئًا، وتم النظر إلى هذه الجداريات كلوحات فنية ليس لها علاقة بهوية أصحابها، كانت هناك تأويلات للفن الصخري الأفريقي مضحكة (المريخيين)، ومبكية (أبولو الليبي)، وكارثية في بعض الأحيان، منها ما هو على أساس عرقي، وأغلبها على أساس فوقي مفرط في غروره، ولم يكن الحال في ليبيا أفضل من غيره في دول إفريقيا، سُرق الكثير من الفن المنقول، والفن الصخري عرف نفس الأخطاء والتهميش لصالح الفن الصخري في مواقع أخرى، لهذا علينا أن نعيد النظر في كل ما له علاقة بالفن الصخري في بلادنا برؤية محلية قبل أن تكون عالمية، والأهم هو إيقاف تدهور حالة الفن الصخري بسبب العوامل الطبيعية، وبسبب الأفعال البشرية، والطبيعية مثل التآكل، والتجوية أو الرياح والغبار والأمطار.
لقد اعترض موزوليني على وجود الشامانية في الفن الصخري الصحراوي، قائلًا: “حتى لو ثبتت صحة هذه النظرية في الفن الجنوب إفريقي، فيجب أن نلاحظ أنه فيما يخص الفن الصحراوي لا نمتلك نصوصًا ولا أوصافًا إثنوغرافية تسمح لنا بالادعاء بأن الفن الصخري كان شامانيًا … يمكن للمرء، كما هو الحال في كل المجموعات الفنية، أن يجد فيها بعض الأشكال الأولية مثل الشبكات والخطوط المتعرجة والدوائر المتداخلة، وما إلى ذلك، لكن استنتاج أنها تمثل ومضات الشامان يتطلب أدلة أكثر إقناعًا من مجرد مقارنة مع زخارف البوشمان”[1]، وعلى الرغم من هذا الاعتراض على وجود الشامانية الصحراوية، لم يقدم موزوليني أي تفسير لوجود الأشكال الأولية مثل الشبكات والخطوط المتعرجة والدوائر المتداخلة، ولا أخبرنا لماذا يرفض المقارنة، رغم أن تعريف هذا المنهج يقول: المقارنة أداة بحثية وعلمية تُستخدم لدراسة ظاهرتين أو أكثر عبر تحليل أوجه التشابه والاختلاف بينهما، بهدف كشف العلاقات بين الظواهر، لقد رفض موزوليني من قبل وجود الرؤوس المستديرة في الأكاكوس، وكان على خطأ، ورفض وجود الشامانية الصحراوية، وهو في هذا الأمر أيضًا على خطأ، لقد تجاهل موزوليني سياق الجداريات والحقائق التي لم يكترث بها، في حين يقول فرنسوا سوليلهافوب: “من الناحية المنهجية، يبدو أن النموذج الشاماني لفن الصخور في الصحراء الكبرى، خلال فترات معينة، كما هو الحال في مناطق أخرى من إفريقيا والعالم، هذا النموذج الذي شكك فيه بعض الغربيين ورفضوه لفترة طويلة بسبب العقلانية العلمية الديكارتية، قد يشكل تفسيرًا لغير القابل للتفسير في الفن الصخري”، ويضيف سوليلهافوب: “من خلال الفن الصخري يمكن إيجاد تعبير عن المعتقدات الأساسية والأطر المفاهيمية المشابهة أو ذات الصلة التي تعكس النظام الشاماني، يمكن ملاحظة هذه التقاربات في ثلاث مجالات على الأقل: الأماكن التي نُقش فيها الفن الصخري، والتي يمكن وصفها بأنها مناظر طبيعية شامانية، يجب فهم مورفولوجيا التكوينات الصخرية التي يعتبرها أولئك الذين يستخدمونها مدخلًا إلى عالم الأرواح، أو المكان الذي تنبثق منه الأرواح، في إطار الرمزية العامة للشامانية، هذه الأماكن مواتية للسعي وراء الرؤى.”[2]
يرى سوليلهافوب أن الشامانية كونية في الزمان والمكان، إذ يمكن ملاحظة الزخارف الشامانية في كل مكان في العالم، وهناك نقوش لا يتم تفسيرها إلا بالرجوع إلى النظام الشاماني، كانت قراءة الفن الصخري الإفريقي مرتبطة بأشخاص بينهم وبين هذا الفن فجوة ثقافية، ويتجاهلون سياقها الثقافي ويفرضون عليها سياقًا خارجيًا، لقد كان مرعبًا بالنسبة لهم أن يكون البدائي الإفريقي قد فكر في عوالم أخرى والقيام برحلات إليها، هذه الفكرة التي أصبحت أوروبية فيما بعد ويتغنى بها أصحاب البعد الثالث والرابع في الكتب والسينما، لقد عرف الفن الإفريقي سابقًا أصحاب العقلانية المقيدة بشكل مفرط والجامدة مثل الصخور، لهذا ابتكرنا مفهوم الأركيو-شعرية، الذي لا يهمل العلمية، لكنه يعرف طريقه إلى الخيال والحلم والرؤى، بدون هذا المنهج، كيف يمكن تفسير مثل هذه اللوحة في (شكل 1) من رحمالين في الأكاكوس – ليبيا؟

شكل 1 – وادي رحمالين – اكاكوس. رسم شفاء سالم.
هذه الشبكة التي أمامنا، في المفهوم الشاماني، هي جسر من الطاقة بين العالم المادي والعالم الروحي، وبوابة للأرواح التي تذهب وتعود من العالم الروحي، يُعرف علماء الأنثروبولوجيا الشامان بأنهم ممارسون دينيون يتفاعلون مباشرة مع عالم الأرواح من خلال شكل من أشكال الوعي المتغير، الشامان يقوم برحلة لزيارة عالم الأرواح للحصول على منافع لعشيرته من كائنات ذات قوة خارقة، هذه الكائنات تساعد على شفاء المرضى وجلب المطر وغيرها، أثناء الغيبوبة والوصول إلى حالة وعي متغيرة، يخرج الشامان من جسده وينتقل إلى بُعد آخر، وهذا ما يطلق عليه الرحلة الشامانية أو السفر خارج الجسد، الشبكة، عندما يشعر الشامان أنه في حفرة الماء، تتحول إلى نفق يأخذه إلى بُعد آخر حيث الكائنات الخارقة، وربما في حالة الشامان تتحول الشبكة إلى موجات تدفع الشامان للخروج من النفق الأزرق، في نهاية الرحلة، وهي نفسها نهاية الغيبوبة، يسقط الشامان كما لو كان قد مات، وفي جسده تكتمل الصفقة مع القوة الخارقة ويحصل على ما يريد.

شكل 2-3-4
هذه الشبكة التي أمامنا، في المفهوم الشاماني، هي جسر من الطاقة بين العالم المادي والعالم الروحي، وبوابة للأرواح التي تذهب وتعود من العالم الروحي، يُعرف علماء الأنثروبولوجيا الشامان بأنهم ممارسون دينيون يتفاعلون مباشرة مع عالم الأرواح من خلال شكل من أشكال الوعي المتغير، الشامان يقوم برحلة لزيارة عالم الأرواح للحصول على منافع لعشيرته من كائنات ذات قوة خارقة، هذه الكائنات تساعد على شفاء المرضى وجلب المطر وغيرها، أثناء الغيبوبة والوصول إلى حالة وعي متغيرة، يخرج الشامان من جسده وينتقل إلى بُعد آخر، وهذا ما يطلق عليه الرحلة الشامانية أو السفر خارج الجسد، الشبكة، عندما يشعر الشامان أنه في حفرة الماء، تتحول إلى نفق يأخذه إلى بُعد آخر حيث الكائنات الخارقة، وربما في حالة الشامان تتحول الشبكة إلى موجات تدفع الشامان للخروج من النفق الأزرق، في نهاية الرحلة، وهي نفسها نهاية الغيبوبة، يسقط الشامان كما لو كان قد مات، وفي جسده تكتمل الصفقة مع القوة الخارقة ويحصل على ما يريد.

شكل 5-6-7

شكل 8-9-10

شكل 11

شكل 12

محمد عبدالله الترهوني
كاتب و باحث