الترحال الأفقي للمعرفة

من أجل إثنوغرافية محلية

مقال, إثنوغرافيا | حمزة الفلاح

في أرض الحكاية التي تقطعها خطواته المتعبة والحالمة، يُفتن الإثنوغرافي على الدوام بوعد المسافر في المجاهل وراء السراب البعيد الذي يتلألأ في عينيه وسط بقاع العطش النائية، حيث لا ماء يمكن أن ينقذه سوى ماء الخيال. فالممارسة الإثنوغرافية هي حدِّية الوقوف بين عوالم متعددة تمنحه طبقات متنوعة من الرؤى الذاتية من خلال دراسة الوقائع. وعند هذا المستوى تكون التجربة الميدانية جديرة بالتأمل، فلا شك أن خبرة الإثنوغرافي تتقاطع مع ما يراه وما يسمعه. وهذه التجربة الميدانية تتيح له فهم ديناميات الانتقال من التوثيق المباشر للمرويات إلى التفكير في وظيفتها الاجتماعية ودورها في تفسير الثقافة المدروسة. فهو يتجاوز بهذه الآلية تسجيل المادة إلى ممارسة تحليلية أعمق تضبط موقعه كباحث، وتوازن التعدد الداخلي بين صوته وصوت أبناء الجماعة دون تغييب أو احتكار، كلما حاول التقدم ليروي ظمأه ــ هذا الظمأ الحزين الذي لا يخصه فحسب، بل ما يراه أيضًا من انعكاس في عيون الرواة الذين يحيطون به وهم يسردون بصوت الحكمة تقاليدهم وتجاربهم الشخصية، ويغنون بحميمية مفرطة أحيانًا، وربما يرقصون لشرح جدارية طقسية في إحدى الكهوف التي سكنها أجدادهم. في مدينة كيب تاون، ومن داخل بيت يحتضن بعض سجناء مستعمرة الكيب، كان ويلهلم بليك* يعاني من هذا العطش، ويلاحق سرابه الشخصي بالعمل الدؤوب على تدوين قصص شعب سان بوشمان بلغتهم الأصلية، معتمدًا على لسان مرجعي مباشر يتجاوز السرد الشفهي لكل الحكايات التي يسمعها، ليصل إلى المعنى العميق من وراء جلوس أحد مخبريه لفترات طويلة ليحدثه بعفوية عن طريقة أمه في التخلص من تأثير الأحلام السيئة عند خروجها من البيت لجلب الطعام، بدفن حجرٍ في رماد النار والصياح للأرواح الحامية من أجل ألّا تحمل الكوابيس معها طوال الطريق.

إلّا أن تدابير العمل الإثنوغرافي، كالإقامة الطويلة والاستماع الجيد والملاحظة القريبة للمخبرين، لا يمكنها أن تنقذ الباحث تمامًا من مثالب ذاتيته والانعكاسية في عمله. يمكن النظر إلى تجربة بليك في القرن التاسع عشر ــ المتعلقة بفلكلور البوشمان، والتي نُشرت عام 1911 بفضل جهود لوسي لويد عقب وفاته عام 1875 ــ على أن الانعكاسية في مشروعه تظل على مستوى اللغة أولًا، وهو ما يمكن اعتباره وعيًا بالأفق اللغوي ومحدودية الترجمة المباشرة؛ لهذا جرى العمل على تثبيت النصوص باللغة الأصلية قبل نقلها.

ثانيًا: مركزية الراوي الفرد، وهو العمل مع شخصيات ليست مجهولة تمامًا، قدموا حكايات مطولة عن ثقافتهم وفق موقعهم في السياق التاريخي، أي إنتاجًا شخصيًا للسرد من قبل الرواة الأساسيين** ثالثًا: الغياب شبه الصريح لموقع الباحث كفاعل داخل نظام استعماري، وبالتالي غياب تفكيك القوة بينه وبين الرواة، وهو ما يجعل عمله انعكاسيًا تقنيًا (لغويًا) لا سياسيًا إبستمولوجيًا، يفترض هيمنة الفهم الأوروبي الكامل على النص.

إذ نجده، كما أسلفنا، قد اعتمد في منهجيته العمل على ثلاثة أبعاد: تثبيت النص الأصلي، ثم تحليل بنيته اللغوية وصيغه السردية، قبل إنتاج ترجمة موازية للمادة الخام، إضافة إلى غياب موقع الباحث كفاعل سياسي، ما يعكس محدودية الهيمنة التي أدت إلى ضبط الانعكاسية بالحفاظ على الخصائص الأسلوبية الأصلية للتجربة. هذا التسلسل الإجرائي منح المشروع طابعًا نوعيًا تفاعليًا، إذ تأسس على أولوية المادة الأصلية وحفظ خصائصها الأسلوبية الشفهية، ومثل هذا الإجراء يقلّص احتمالات إعادة صياغة النص وفق أفق أوروبي، بصرف النظر عن السياق التاريخي الذي أُنجز فيه هذا المشروع، والذي اتخذ لاحقًا بُعدًا توثيقيًا حاسمًا بحكم اقترانه بلغة كانت مهددة بالاندثار.

 

©Bleek-Lloyd Scott Family Archive Catalog 2007

 

إن الوعي بهذا النوع من التجارب الإثنوغرافية يمنحنا متسعًا جيدًا لفهم البنية التي يتحرك فيها العمل الميداني، ودينامية انتقاله من حيز التوثيق الضيق لهذه المرويات إلى التفكير في وظيفتها الاجتماعية وما تعالجه؛ أي كيفية تحول الحكايات والرموز الثقافية إلى أدوات تحليلية، وكيف يمكن لهذه المواد القصصية أن تتحول إلى أداة لتفسير النظام المعيشي بكل ما يحمله من توتر عاطفي وثنائية تجمع موضوعات رمزية عن الموت والحياة، والجفاف والماء، والحيوان والبشر. فهذه الرموز البيئية والاجتماعية تحمل معاني مركبة تفسر العلاقة بين الإنسان ومحيطه. ففي كثير من حكايات البوشمان التي جُمعت في تجربة بليك شروحات مرتبطة بالمعنى الرمزي لفنهم الصخري، وهذا المعنى يعالج فكرة الاختلال الكوني على المستوى البيئي من خلال نظرتهم إلى المطر ككائن حي، وإلى الجفاف بعيدًا عن كونه مجرد أزمة مناخية طارئة، بل خللًا خطيرًا في علاقتهم مع القوى غير المرئية؛ هذه القوى التي يحافظ تواصلها مع الإنسان على توازنه في التعامل مع عناصر الطبيعة.

إن إجراءات كهذه، من التوثيق الدقيق لهذه الحكايات وإبراز أصوات المشاركين، تتيح إمكانية التفسير ضمن سياق اجتماعي ثقافي محدد، وتوفر نموذجًا عمليًا بإمكاننا توظيفه بما يتوافق مع البيئة الليبية، في مجال فن الصخور الليبي، خصوصًا فيما يرتبط بثقافة دين المطر في الصحراء الوسطى، وما أنتجته هذه الثقافة من جداريات تحاكي المرجعية الإثنوغرافية في مواقع مختلفة في جنوب إفريقيا، ضمن أفق متعدد التخصصات يتضح فيه التوازن بين سلطة المؤلف والمجتمع المدروس. فالنعام في ثقافة سان بوشمان لا يستيقظ من قيامته بعد ذبحه على يد رجل الأدغال إلا من أجل أن تقع الزوبعة الصغيرة، فتطير ريشته إلى السماء وتسقط في قلب الماء، لينمو لحمه من جديد ويكبر حتى يصبح أكثر علوًا وصلابة، فيرفس بقدميه ومخالبه الحادة ابن آوى عندما يحاول الاقتراب من البيض في عشه. فمن خلال هذه الأساطير يصبح النعام حيوانًا محوريًا حاضرًا في ثقافة البوشمان ككائن مطري، وسقوط ريشه لا يمثل سوى عودة المطر واستمراره، بتجدد الريش وهيئته القوية، ليطرد الجفاف الذي يمثل ابن آوى. وفق هذا المنظور، فإن إنتاج نموذج إثنوغرافي في ليبيا يتطلب إعادة تعريف موقع الباحث ضمن إطار تأويلي نقدي يوازن بين الانتماء والتحليل. ويُفهم هذا النموذج، في سياق ما بعد الحداثة، باعتباره نموذجًا متعدد التخصصات يجمع بين النظرية الأنثروبولوجية، والدراسات الثقافية، والتحليل النصي، وتاريخ المعرفة. إذ إن أزمة العلوم الإنسانية المحلية تمثل مستوىً مؤسسيًا مرتبطًا بشروط إنتاج المعرفة، فيما يُظهر النص الأكاديمي التقليدي خللًا منهجيًا يتمثل في سيادة الوصف وضعف التفسير. وهو خلل لا يرتبط بطبيعة المعطيات، كمية كانت أو نوعية، بقدر ما يرتبط بالإطار الإبستمولوجي السائد.

وعلى الرغم من الإشكالات الراهنة، ليس مستحيلاً أن يكون لليبيا نص يمكّن الإثنوغرافي الليبي من العمل داخل ثقافته لا من فوقها. إذ بإمكان هذا النص أن يمتلك زمام محليته دون وسيط قسري أو انتزاع للسرد من بيئته. وهذا ما تمثله، إن جاز التعبير، محلية الترحال الأفقي للمعرفة وإنتاجها عبر تفكيك السلطة الهرمية. فالمحلية في هذا السياق تُعرَّف بوصفها تموضعًا إبستمولوجيًا واعيًا يجمع بين إدراك الباحث بوصفه جزءًا من العالم المدروس، وإشراك الفاعلين في إنتاج المعنى، وإظهار التعدد الداخلي داخل الجماعة دون دمج قسري أو اختزال صوت المشاركين لصالح الباحث، مع توظيف الانعكاسية*** بوصفها أداة لتحديد موقع الباحث وحدوده المعرفية، لا كترخيص ذاتي أو وسيلة للتمركز السردي، بما يتيح وضوح الموقع التحليلي ومرونة القراءة التأويلية. بهذا المعنى، يظل النص الإثنوغرافي فعلًا تأليفيًا متعدد التخصصات، لكنه تأليف مُعلن الموقع يحقق التوازن بين سلطة المؤلف وتعدد الأصوات داخل المادة، ويكشف ما يعتبره الباحث بديهيًا أو طبيعيًا، بما يتيح إنتاج تفسير داخلي مشترك. ومن خلال هذه المقاربة يمكن للنموذج المحلي، بوصفه نموذجًا ما بعد حداثي، تجاوز الوصف التقليدي نحو بناء تحليل إبستمولوجي متماسك، قائم على آليات واضحة للتوثيق، وإبراز الاختلافات، والحفاظ على صوت الجماعة داخل النص دون تذويب أو احتكار معرفي.


* (1827–1875)  لغوي وفيلولوجي ألماني يُعد من أوائل الباحثين الذين اشتغلوا ميدانيًا على لغات وثقافات شعوب السان (البوشمان) في جنوب إفريقيا خلال القرن التاسع عشر. عُرف بمشروعه في تدوين نصوصهم الشفوية بلغاتها الأصلية وتحليل بنيتها اللغوية قبل ترجمتها، وقد نُشرت أعماله بعد وفاته عام 1911 بجهود لوسي لويد، وأسهمت في حفظ مادة لغوية وثقافية كانت مهددة بالاندثار.

**  (ǂKábo, Dia!kwain, Kweiten ta, ǂKasin)

*** يعرف جورجي ماركوس الانعكاسية : “بأنها نقد الذات، والبحث الشخصي، واللعب على الذات، والاختبار (التجريب)، وفكرة عن التعاطف، وهي مجال هائل للتعليق والاهتمام من خلال التساؤل : هل الانعكاسية ترخيص أم طريقة ؟ علاوة على ذلك تفتح إمكانية ما يسمى بالنص متعدد الألحان أو المشروع التعاوني بالكامل، ولكن في كثير من الأحيان، يعزز فقط منظور وصوت العامل الميداني المنفرد المتأمل من دون تحدي نموذج البحث الإثنوغرافي”

 

حمزة الفلاح
كاتب و باحث