
البازلت: شعرية الحجر العادي
مقال: الجيوبويتيك ، حمزة الفلاح
في فضاءٍ فظّ وجاف يمنح للصمت قوّة المعنى، وكأيّ متأمّل أثناء المشي ظل يساورني إحساسٌ بالفراغ. كنت أنظر إلى التكوينات الناريّة الخامدة، ونحن على ارتفاع ستمائة متر وسط المآوي المتناثرة، وبين أحجار البازلت السوداء التي تتنفّس من رئتها خشونة الذاكرة الجيولوجيّة وبطء الزمن المنصهر فوق سطحٍ لا يرحم. في تلك التجربة المريرة، وبعد العودة من المسطاح*، لم أتوقف لحظةً عن التفكير في حجر البازلت من أجل الكتابة عنه. ولأنني رغبت بشدّة في فهمه، أو لنقل مقاومة قسوته التي حملتها معي، كان عليّ أن أذهب إلى بترارك العاشق* لأضع هذا النوع من الأحجار في سياق خصائصه.
في المناظر الطبيعية، لا يكون المتأمّل في معزل عن الشعور بالعناصر وتأثيرها، فكل حبات الرمال الذهبية الناعمة ليست كما نراها في وجود الرياح العاتية، والموجة الوديعة الساحرة أمام الشاطئ لن تكون أقل شراسة في أحشاء العاصفة. كذلك أضيق الوديان وأوسعها، بما تحمله من وجوه المآسي والخطر عند محاولة استكشاف صخورها الراكدة في الشعاب ومشهدية الأحجار، وبخصوص الأخيرة، يمكن لأسفار بترارك وأغانيه في حب لورا، التي يردّ فيها الحضور الكوني للحجر وفق نظام دلالي متدرّج يعكس تحوّل التجربة العاطفية والوجودية للذات، أن يخبرنا عن قدر لا ينضب من التعاسة والبهجة والموت جراء تحسس جلد الطبيعة. وبالحديث عن الأحجار ولورا التي بإمكانها في أغاني بترارك أن تتحول إلى تلك الصلابة الحية، وهو ما توضحه أطروحة دكتوراه في الدراسات الإيطالية للباحثة سيليا فيليبّيني بعنوان: “المناظر الطبيعية والفصول: الشبكات المجازية للواقع في كتاب بترارك “Rerum Vulgarium Fragmenta“، حيث تبين في فصل “الأحجار والشعاب المرجانية”^ هذا التمايز البتراركي بنفي الفظاظة الدانتية عن الحجر بين الأنواع pietra, sasso scoglio, ودلالاتها الحسية ضمن مسار التجربة العاطفية للشاعر. فكلمة pietra بخصائصها المحددة تمثّل حجر الأسطورة، وقدرية الصلابة الحتمية التي لا مفر منها، وهي سحر المعجزة بوصفها فكرة ميتافيزيقية، وكثيرًا ما ترتبط بالمرجعيات الكلاسيكية. وتندرج تحتـها كلمات تمثـل أحجـار مخصوصة لها سمة البرود الجمالي مثـل marmo, diamante, و diaspro التي تجسّد الطقسية والنقاء الميت، وفي صلة مباشرة بالثقل والتحجّر لميدوزا. أمّا sasso فهو حجر البدائية غير المتحضرة، مادة الوجود والتصلّب النفسي الذي به تتماهى الـ (الأنا) بالتوقف والجمود العسير. وعندما يكتسب هذا الحجر بعدهُ الطوبوغرافي، يصبح sasso-lieu, وسيطًا بين الطبيعة وكشاهد في المكان، حيث تنبع المياه وتتشكل الأمكنة. في المقابل، يعبر scoglio عن حجر الفاجعة، حجر متعنت لا يوجد إلا داخل مسار وحركة، ويجسّد تعثر الشاعر العاطفي، من تهديد محتمل إلى تحطم السفينة وفقدان الاتجاه.
ضمن هذا التدرج العاطفي في صوت العاشق المأزوم، بإمكاننا التعامل مع حجر البازلت بوصفه شكلًا متطرفًا من sasso: حجرًا عاديًا إلى حد بعيد: مظلمًا، شديد القسوة، ومرهقًا جسديًا، لا يحمل صفاء الأسطورة النهائي ولا كارثية الحدث الملاحي، بل يجسّد بوضوح قسوة المسار والارتباك الوجودي ذاته، حيث تُختبر الصلابة عبر الجسد والمشي، لا عبر النظر أو التحوّل. وفي ذات الوقت، يكتسب بعدًا طوبوغرافيًا في منطقة الجبال السوداء، وخصوصًا في المساحة الشاسعة للمسطاح، وهي المنطقة الواقعة في اتجاهنا عن طريق الصعود من الشعبة المرتفعة في وادي السرط، ما بين وادي تيفدست يمينًا حيث يتواجد المسطاح الكبير الممتد لعدة كيلومترات حتى نهاية أطرافه إلى بدايات شعبة فزان ووادي تاسكوه في أقصى اليسار. البازلت هو الحجر اليومي العادي، الحجر المألوف الذي يُعاني من كثافته الهمجية، ومن فشله المفرط في تجاوز فقره ليصبح ثمينًا، رغم انتشاره الكاسح في المنظر الطبيعي. ولماذا قد يصبح هذا النوع ثمينًا على أية حال؟ إنه الحجر الطريقي الوعر ــ حجر ممارسة اللاجدوى، المنزوع من هالته الأسطورية المقدسة وسحره. لا شك أن المشي البطيء، واقتحام فضائه كان عدائيًا أكثر حتى من الشعور بالرعب عند الدخول ليلاً إلى مقبرة بشرية هائلة تغص بالعظام والجماجم.
كان هذا يمنحني، وأنا أتأمل طويلاً الصور الفوتوغرافية لتلك التجربة الميدانية، فرصةً للتفكير في أن هناك بيئات ترفض بطبيعتها أي دخيل ولا تمنح بسهولة مغفرة التجول فيها ــ بيئات استثنائية وماكرة بسبب الشعور بالألم عند اكتشافها. فبين الانهيار الجسدي والمشي على سطح غير منتظم، يفقد هذا الحجر، عند التعامل معه، وظيفته الأدبية، ليُهزم الكاتب المستكشف شعوريًا أمامه، بسبب عجزه، أثناء المشي لأميال طويلة في هذا النوع من الأراضي الشاسعة والبعيدة، عن القبض على وهم الاحتمال الحالم باقتناص شاعرية اللحظة اللينة. وهكذا، يغدو النص أقرب إلى كتابة شرسة لتآكل الذات، نصًّا عنيفًا لا يُكتب بالكلمات، بل يصارع الرماد الأبدي للزمن.
عند تلك النقطة، لم نكن جميعًا بخير ولا نشعر بأيّ شيءٍ في فضاء البازلت، وفي أقصى درجات التحطّم النفسي، ونحن نتباطأ ونختبر المكان المناسب لوضع أقدامنا للعبور في أعتى الأمكنة النائية. كان دليلنا الدكتور محمود عبد المولى يسبقنا بمسافة كبيرة، بحثًا عن شعبة قريبة وآمنة من أجل الهبوط، للخلاص من الشعور بالألم، واستمرار قضمنا لنبات (المكنان) لمحاربة العطش بعد نفاد الماء الذي كان بحوزتنا. إن أصدق ما يمكن قوله عن هذا الحجر هو ارتباطه المباشر بالألم، واختبار الانفعال الواهن والمريض الناتج عن التجوّل الصارم. إنه ليس حجرًا لأيّ نوع من التحوّلات النفسية، بل حجرٌ للبداهة القاسية والحذر المضطرب ــ حجرٌ للانتباه الحادّ، بسبب تصلّب حالة المعاناة الطويلة أثناء المشي على سطحه، لبلوغ انتهاء المعركة. فهو يُعاش جسديًا، وهذا ما شعرتُ به من غيابٍ للعاطفة في فضائه، ومن زمنٍ متراكبٍ صعب التصوّر كان يحمله. في الرحلة ليس شرطًا أن يكون الكاتب المستكشف شاعرًا، وإن صادف أن كان كذلك، فهو رهين التزامه، عبر اللغة والشعور، بأن يسحب الخيط الرفيع للارتباط في قلب العالم الطبيعي، وما يفرضه ذلك من تحدّيات عضلية ونفسية عليه، وهو منغمس في تفاصيل التجربة. فالإحساس بالخوف الذي كان يداهمنا من حجر البازلت هو رفضنا القاطع لضياع الصورة الظلّية التي يقدّمها هذا النوع، رغم قسوته. وهذا ربما ما كنت أتساءل عنه قبل الولوج إلى أرض الكتابة، من أجل استجلاب كلّ تلك المشقّة والتمزّق الذي اختبرتُه، فوجدتُ الإجابة أبسط ممّا يجب: أنّه لا مجال، على الإطلاق، مع هذا الحجر، للعثور على انسياب الفكرة السلسة وسط خضمّ صلابة التبعثر في هذا الأفق المميت.
على حافة الشعبة، بعد لحاقنا بالدليل أخيرًا، أذكر جيدًا نهاية المسير للهبوط وترك المسطاح. نظر الترهوني للوارء متأملاً كل تلك المسافة المقطوعة بشيء من نفاد الصبر، خلع قبعة القش، مجففًا عرق جبهته، وجلسنا لالتقاط أنفاسنا؛ لا ماء متوفر، ولا بقايا نبات المكنان في حقائبنا أصبح قادرًا على مساعدتنا في تلك اللحظة. الشمس الحارقة مُسلطةٌ على رقابنا مثل نصل حاد ولامع، يراقب رفضنا الممزوج بانفعال مؤقت للشكل البدائي للتضاريس والمكان برمته، تاركين خلفنا كل القبور الجرامنتية التي تحتوي الصمت النهائي للذاكرة، وتلف الواقع في أن يضيف شيئًا لتاريخ الموتى، ولأنني كنت محتقنًا حينها مثل مستودع للشكوى من الألم، جلست بعد انتهاء الرحلة بوقت طويل لأكتب نصًا وأنا أحمل معي هذا الشعور السيء وشيئًا من انسداد الرغبة، في استعادة العلاقة الأصلية بطوبوغرافية المسطاح العظيم وقسوة البازلت غير المبهجة، ولا أعرف تمامًا إن كان هذا النص عن قسوة المناخ والحجر أو حكايةً عن شلل روح الشامان في فترات الجفاف وخسارة الطبيعة القديمة لقلبها الرطب، فلا يمكنني التفكير بأي حال في قشور هذا الغضب فحسب عند تذكر حجر البازلت، بل في اللحظات الأخيرة التي يمكنني استعارتها، لا لأسطوريتها، وإنما لوحشتها القاتمة، والمتمثلة في تلك النظرة الشاخصة من حزنها لميدوزا على انطفاء الزمن الأمومي والخصوبة عند قطع رأسها بسيف بريسيوس، وأنا على طاولة الكتابة امتص طعم العرق المالح للخيانة في فمي.
* المسطاح : تسمية عامية تعبر عن مساحة كبيرة ممتدة من أحجار البازلت، وتحوي مجموعة كبيرة من المأوي، والقبور الدائرية، ومسارات قديمة لطرق القوافل.
* بترارك (1304–1374): شاعر وفيلسوف إيطالي، مؤلف Rerum Vulgarium Fragmenta، استعمل الصور الطبيعية والحجارة لاستكشاف التجربة العاطفية والوجودية للذات الشاعرة.
^ Célia Filippini, Paysages et saisons : les réseaux métaphoriques du réel dans les Rerum Vulgarium Fragmenta de Pétrarque, thèse de doctorat, Université Sorbonne Nouvelle – Paris 3, 12 décembre 2015, dirigée par Anna Fontes-Baratto, EA 3979 – Les cultures de l’Europe Méditerranéenne Occidentale (LECEMO), chap. IV, « Pierres et écueils », pp. 69–77.

حمزة الفلاح
كاتب و باحث