الأمكنة المزدوجة للإثنوغرافي

شعرية الإضطراب

مقال: إثنوغرافيا، محمد عبدالله الترهوني.

كتب عالم الإثنوغرافيا جيرالد د. بيرمان في كتابه “هندوس الهيمالايا:

 

“كانت ظروف المعيشة في القرية بدائية حتى بمعاييرها المحلية، وهو ما دفعني لرفض فكرة نقل عائلتي إليها بشكل دائم.  باستثناء فترة أربعة أشهر تقريبًا كنت أملك فيها سيارة من نوع جيب غير موثوق بها، وكنت أستطيع القيادة عبر طريق ناءٍ إلى مسافة خمسة أميال من القرية، كان الوصول من دهرادون يتم عبر ممر للمشاة يمتد لتسعة أميال بعد نهاية خط الحافلات، وكانت المسافة الأخيرة البالغة خمسة أميال إلى القرية عبارة عن مسار جبلي يرتفع 2700 قدم، أما الوصول من موسوري، حيث يقع “منزلي في المدينة” خلال الأشهر الأربعة الماضية، يتم عبر مسار بطول 16 ميلاً ومريح نسبيًا، ولكنه وعر للغاية في بعض الأماكن، كان منزلي في القرية يتألف من ثلاث غرف صغيرة مُتصلة، إحداها كانت تشغلها باستمرار من اثنين إلى أربعة جواميس الماء، وكانت جميع الغرف أدنى من تلك التي يسكنها معظم القرويين، وكان الطعام الوحيد المتوفر باستمرار في القرية هو الحبوب والحليب والسكر والشاي، كان مصدر المياه على بُعد ربع ميل عبر ممر صخري، باختصار، لم تكن سيركاندا مناسبة لسكن عائلي طويل الأمد من قِبل الغرباء.”

 

في كتاب “حكايات يانومامي: الحياة اليومية في الغابات الفنزويلية”، يقول جاك ليزوت:

 

“لم يطلع النهار بعد، يبدو أن النهر قد توقف عن جريانه، فقط بضع دوامات تُحرك سطح الماء، تطفو خيوط من الضباب الخفيف ببطء، تكاد تكون ساكنة، لا وجود لنسمة هواء واحدة، مع اقتراب الصباح، تكثفت الرطوبة في طبقات أوراق الشجر الكثيفة في الأعلى: الآن تتساقط قطرات كبيرة صاخبة كالمطر المتواصل، هنا وهناك، يُطلق طائر الطوقان نغمات قصيرة من أغنيته الرتيبة، أصبح برد الصباح أكثر قسوة؛ يُشعل الهنود النيران، وتتطاير شرارات النار إلى السقف، الشمس التي تشرق في الأفق، ستُضيء قريبًا قمم أعلى الأشجار، يعود المأوى الكبير في كاروهي إلى الحياة ببطء: أصوات تبحث عن أصوات تُجيبها، يبكي الأطفال، وتتأرجح الأراجيح بفعل حركة الأجساد دون أن ينهض أي شخص من مكانه.

 

يخرج الإثنوغرافي من حدوده الزمنية والمكانية، يفرض عليه البحث الإقامة في أماكن بعيدة، ينتقل الباحث من منطقة استكشاف إلى أخرى، في زمن الإثنوغرافيا متعددة المواقع التي تتحول إلى رحلة متخيلة، على الباحث أن يدور في نطاق الرحلة المليئة بمشاعر متضاربة، وعليه عندما يتحرك من موقع إلى آخر، أن يسمع الكلمات التي تدعم الحركة من المخبرين، والتجاويف، والصخور، وفروع الأشجار. في هذه المهمة البحثية ما يقود الجسد هو روحانية البحث، كل شيء يتغير عندما يصل الباحث إلى وجهته التي يعتبرها ميدان عمله، يفقد خصوصيته والمساحة التي يعرف عنها كل شيء، مهما كان جمال المكان الذي وصل إليه يبقى باهتًا أمام تصور المكان الذي جاء منه، الإنسان يحمل بيته معه الذي يشعر بانجذاب غير عقلاني له، لا بيت جيرالد د. بيرمان في سيركاندا، ولا المأوى جاك ليزوت الكبير في كاروهي يشبه الأمكنة التي عاشا فيها، إن الإقامة في مكان آخر وثقافة أخرى، وأسلوب حياة مختلف جذريًا تجعل منك شخصًا آخر، البيت هو الصورة الحميمة للأفعال الروتينية، الحياة التي تُعاش وتُختبر في المنزل ليست هي نفسها الحياة في مأوى بعيد أو خيمة العمل الميداني. هناك أسطورة ينسجها مفهوم العمل الميداني حول نفسه، وهو ما يجعل عمل الإثنوغرافي مبهمًا وغامضًا ومثيرُا للجدل، إن سر العمل الميداني؛ هو نسيان الحياة السابقة التي تُعاش في المنزل، للاندماج في حياة أخرى يمكن القول أنها خيالية، هذه الحياة الخيالية قائمة على مهارة الارتجال والحدس الذي لا يخطئ، فالمفارقة التي يعيشها الإثنوغرافي، هي محاولة التعايش مع فوضى جديدة، ليست هي فوضى المنزل الذي يعيش فيه في وطنه، ومطالب بالتأقلم مع التنازل عن فكرة أن المنزل مكان للراحة والاستجمام والعزلة، بالتأكيد العيش مع أربع جواميس ماء، ليست نوع الحياة التي يعرفها جيرالد د. بيرمان، وليست الحياة في المأوى الكبير في كاروهي، هو نوع المكان الذي يشعر فيه جاك ليزوت بالعزلة.

 

يُعالج الإثنوغرافي عدم التطابق بين نصه وما حدث في العمل الميداني، وعدم تطابق تجربة الحياة الإثنوغرافية مع الحياة التي نعيشها في البيت، وعدم تطابق اللحظة الميدانية مع لحظة كتابة التقارير، يقول برونيسلاف مالينوفسكي:

 

“كان مجال البحث الرئيسي في منطقة واحدة وهي تروبرياند، ومع ذلك، فقد درست هذه المنطقة بدقة متناهية، عشت في ذلك الأرخبيل لمدة عامين تقريبًا، خلال ثلاث رحلات استكشافية إلى غينيا الجديدة، اكتسبت من خلالها بطبيعة الحال معرفة شاملة باللغة، أنجزت عملي بمفردي تمامًا، مقيمًا معظم الوقت في القرى، لذلك كانت الحياة اليومية للسكان الأصليين ماثلة أمامي باستمرار، بينما لم يكن من الممكن أن تغيب عني الأحداث العرضية والدرامية، والوفيات والمشاجرات والنزاعات القروية والفعاليات العامة والاحتفالية.”[1]

 

عاش مالينوفسكي هذه الفترات في غينيا الجديدة في خيمة (شكل 1)، هذه الخيمة ليست مكان للإقامة، إنها بقعة مؤقتة على شاطئ قد تختفي في أي لحظة، ولا تنتهي الصعوبة عند هذا الحد، تقول ألبا شاه عن مفهوم الملاحظة بالمشاركة: “هو انخراط حميم طويل الأمد مع مجموعة من الأشخاص كانوا غرباء عنا في السابق، بهدف معرفتهم”[2]. إن الانتقال للعيش في مكان آخر، ومن قرية إلى قرية، مع مجموعة لم تعرفها من قبل، يمثل تغييرًا في الحياة اليومية في البيت، وهذا الأمر يتطلب من الإثنوغرافي إعادة ابتكار نفسه في كل صباح، وأن يتكيف مع تفاعل يومي غير مألوف بالنسبة له؛ كل عدم ارتياح، وكل عاطفة للمنزل تُعتبر نقطة ضعف وعار على الإثنوغرافي، لذلك هو مطالب بعدم الظهور بمظهر الإنسان الهش، والغير قادر على الصمود أمام تحديات العمل الميداني، حتى ولو كان الإثنوغرافي ينتمي لنفس التركيبة الاجتماعية فهو بعيد عن منزله، وهذه المسافة التي يقطعها للوصول إلى الميدان تقف دون القدرة على الإنغماس الكامل في مختلف مواقعه.


[1] ARGONAUTS OF THE WESTERN PACIFIC-BRONISLAW MALINOWSKI- Taylor & Francis-e-Library-2005- p xii.

[2] ETHNOGRAPHY BEYOND METHOD: The Importance of an Ethnographic Sensibility-Carole McGranahan-sites: new series · vol 15 no 1 · 2018- p 5.

محمد عبدالله الترهوني
كاتب و باحث