عمل فني للفنانة شفاء سالم

القبائل الليبية: ما بين الاثنوغرافيا و السرد الادبي

مقال: إثنوغرافيا، حمزة الفلاح

إن منطقة الأساطير بحسب ديتيان تقع على تخوم الذاكرة والنسيان، فهذه المنطقة الحساسة والمولعة بالفضائحية، ليست مجانيةً كما يقول، فهي “تستحضر كل أشباح الغيرية. البدائيون، الأعراق الدنيا، شعوب الطبيعة، لسان الأصول، البرية، الطفولة، والجنون؛ كلها مناطق منفى، وآفاق معزولة، صور إقصاء. وفي الوقت نفسه أمام كل هذه التقسيمات، تتحرك الميثولوجيا، وتغير شكلها ومحتواها : إنها اللامعقول الذي يضعهُ الدين أمامهُ، واللاعقلاني الذي يعطيه العقل لذاته، والبري بصفته وجهًا آخر للمتحضر. إنها الغائب أو الناجز، أو البلاهة المنسية.[1]

إن هذه المنطقة ــ منطقة الأساطير مرتبطة دائمًا بالرحلة بوصفها فضاءً للتصورات والخيال واستكشاف الآخر، وممارسة تنتمي إلى خطاب معرفي ومؤسس، وهذا الآخر الشريك المحوري في هذا الخطاب الرمزي هو ما يمثل النظام القيمي المختلف، هذا الشريك هو شريك الصراع الثقافي، والطبيعة غير المروضة، والآلهة المتعارضة، ولأن هذا الصراع يخضع لمبدأ “إثنو ــ مركزي”[2] في جوهره، فهو دائمًا ما يعمل على إظهار نزعات الدخيل وشرحه أولاً، لا الطبيعة الأصلية لهذا الآخر المنبثق من الأرض. في القرن الخامس قبل الميلاد كانت رحلة هيرودوتس إلى ليبيا تمثل آلة الأسطرة، والإنتاج المعرفي لفضاء جغرافي بعيد يتحول إلى بالضرورة إلى فضاء عجائبي، وإلى إثنوغرافيا أسطورية مبكرة عن القبائل الليبية القديمة: عاداتها وتقاليدها، ترحالها وطبيعة سلوكها الاجتماعي، وأنواع الأزياء والرموز، والأكل، والطقوس الدينية، والآلهة، وعلى الرغم من أن إنتاج الآخر الغريب لا بد وأن يقع في دائرة الإثنو ــ مركزية إلا أنها في نص هيرودوتس كانت أكثر انفتاحًا بل ويمكن القول أنها غير عدائية، ولكن كيف تتحول الأسطورة الليبية من نصوص الرحلات التاريخية والإثنوغرافية القديمة إلى أسطورة حيّة قابلة لإعادة الكتابة من خلال التجربة الفردية، الأدب، والتفاعل مع الأرض والآخر، مع إمكانية الحفاظ على أثرها المعرفي والثقافي؟

 

هيرودوتس والإثنوغرافيا الليبية الأسطورية

إن علاقة الرحلة بالأسطورة تكسبها الشرعية من خلال الخطاب التاريخي بوضع الذات في مواجهة الآخر، وهذه المواجهة تفرضها الطبيعة الميدانية لعمل الإثنوغرافي الذي يمارس الملاحظة، وهيرودوتس أحد أهم النماذج المبكرة للإثنوغرافيا الأسطورية إن جاز التعبير، وهذا الوجه الأسطوري الليبي ليس بمنأى عن المراقبة، الاستماع المتكرر، والتخييل، بسبب التفاعل. يمضي هيرودوتس في رحلته بعد مسير متقطع لعشرة أيام بين التلال الملحية المحاطة بماء وبشر يتجمعون حولها ويدعون الآتارانتس”. يقترب هيرودوتس من مخبره الذي لا يمنحه الكثير من الوقت للتفكير أو التأمل في هذا التجمع البشري الهائل قائلاً له:

“لا أسماء شخصية لهؤلاء الناس، ولكن وصفهم بالآتارانتس يكفي لمخاطبتهم، وعلينا الحذر فلربما لا يكونون بمزاج جيد في هذا الطقس الحار، لأنهم جميعًا يلعنون الشمس، ويوجهون لها أقذع الشتائم لأنها عندما تسطع تحرقهم وتحرق أرضهم.”

يمكن القول أن هذه الفقرة صالحة لوضعها في سياق رواية تاريخية؛ فهي تستند على شرعية الوثيقة التاريخية عن هذه القبيلة وفق هيرودوتس الذي كتب عن هؤلاء القوم بعد عبوره لأراضي الجرمنت، والتلال الملحية التي لاحظها بكثرة في تلك المنطقة، ففي ذات السياق يأتي ويحدثنا عن تل جبلي يُسمى (أطلس)، يسكنونه قوم يسمون الآتالانتيس”، هذا الجبل الذي لا يخلو من بعد أسطوري وفق البيئة والمنظر الطبيعي، لاتصاله بالسماء مثل عمود ضخم وشاهق الارتفاع كما يحدثه المحليون عنه وعن سكانه الغرباء وعاداتهم الغريبة في كونهم:

“لا يأكلون أي كائن حي، ولا يحلمون أثناء نومهم”[3].

هذه الأسطر الشعرية النابضة بأدبية الإثنوغرافي القلق والمولع بالتدوين لا تعطيه الفرصة الكافية للموضوعية كما نسميها اليوم لإبعاد الشبهات عما يكتب، بل ينساب مع حلم عثوره أخيرًا على الغرابة التي خرج في رحلة طويلة من أجلها، وهذا الخروج كان أشبه بالوصول إلى النص المستحيل، فهذا النص هو نص اللذة البارتية والمتعة في مخاطبة تلك المنطقة الخفية في عقولنا التي يحدثنا عنها ديتيان ــ منطقة الخوف والسحر المربك من عالم بدائي يدفعنا الحنين إلى خلقه كلما أعدنا قراءة التاريخ.

 

الأتلانت المنشقون” عمل فني للفنانة شفاء سالم.

 

الليبي الذي حمل الصليب

في ذات السياق الإثنوغرافي نجد رواية “سمعان القوريني الليبي الذي حمل الصليب” للكاتب محمد عبدالله الترهوني التي لا تنفصل الأسطورة الليبية عن الرحلة فيها والإثنوغرافيا كذلك أثناء مغامرة باتوس في جزيرة بلاتيا وهو ما يسمى الآن بخليج البومبا:

باتوس كان جاهزًا لهذه الرحلة وبيثيا منحته الهدف الذي يجب أن يركز عليه، عندما وصل إلى مكان الموعد على الجزيرة، لكنه انتظر في القارب مع الرجال لأنه شعر أن مينيا قد يظهر في أي لحظة. أخيرًا ظهر مينيا ومعه بعض الرجال. صُدم كل من في القارب لأن من كانوا مع مينيا بيض البشرة بشعر أشقر يشبه الذهب يصل إلى أكتافهم ولحية مدببة، لم تكن أبدًا هذه الصورة التي أمامهم تخطر على بالهم، كانت أجساد الليبيين تُظهر مدى قوتهم، الرجال يلبسون رداءً طويلا من الجلد وغمد العورة وذيل حيوان يتدلى من حزام يشد ما يلبسونه إلى أجسادهم الموشومة بحروف وعلامات كثيرة، وريش فوق رؤوسهم يلمع تحت الشمس، وأحذية جلدية تحمي أقدامهم.”[4]

أثناء كتابة هذه العمل خرج الترهوني بحقيبة سفر صغيرة وانطلق في رحلة طويلة لأشهر وحيدًا إلى الشرق الليبي وأقام في مدينة شحات من أجل الكتابة، وفي هذا المقطع الإثنوغرافي من روايته عن أفراد قبيلة التحنو وثقافتهم نجد رحلةً داخل الرحلة التي تخرج من دائرة الإثنو ــ مركزية في الخطاب اليوناني القديم، ليؤسس خطاب الآخر الغائب دائمًا من أجل أن يتحدث رجال التحنو عن أنفسهم وهويتهم عند استقبال باتوس. هناك في مدينة شحات تطغى الذات الساردة للترهوني المحاط بالأساطير في عزلته على لسان الليبيين أبطال روايته وبوشيحة تحديدًا من أجل إنقاذهم من الغياب، ليأخذ السرد الرحلي بعده الأسطوري كشرط بنيوي لاختلاق أسطورة ليبية في تماس مباشر مع الأرض، بوشيحة يجلس على صخرة ويروي رحلته الشخصية ذاتها مع قورينا الليبية ولا ينظر إلى باتوس كمجرد دخيل تحركه نبوءة التأسيس، بل إلى الرحلة كجزء من أسطورته هو نفسه كمؤسس للوعي، واكتشاف الطفل بوزيد له ولدوره من أجل أن يؤسس مستقبلاً رحلته الخاصة، وهنا لا تتولد الأسطورة من الجهل بل من خلال عناصرها في المنظر الطبيعي للجزيرة والمشهد الطبيعي لسكانها، وفضائها الجغرافي الرمزي الذي يتم صياغتهُ داخل نظام المعنى الخاص بعلاقة بوشيحة العاطفية والتأملية في تاريخ بلاده، وهذه العلاقة لا تنقل الوقائع التاريخية فحسب، بل تنسحب إلى إعادة تشكيلها عبر الرحلة ليصبح لأسطورتنا أثرًا معرفيًا وثقافيًا.

إن الحنين في صدر (بوشيحة)، بطل هذه الرواية الذي لا يعرف سوى الكهوف، والغابات الغامضة، والسحرة لصوص الكنوز المطمورة في القبور، جرائم الاستعمار والحرب، ورؤوس التماثيل التي تُظهر نصف نظرة حزينة من الطين تحت أقدامه، وهو يحدث الطفل بوزيد أثناء مشيهم في الوديان عن معنى أن يكون وجودك أسطوريًا بالانغماس طويلاً في تفاصيل الزمن الهامشي للنبوءات المتحققة والصلوات غير المسموعة، والنداءات الأخيرة للموت في المغارات ــ هذا الوجود الذي لا يتحقق تفاعله إلا بسرد الرحلة وما يكتنفها من صراعات ذاتية حميمة مع ما يمكن أن نسميه قمع الذاكرة التي لا تتحدث عن نفسها، أو تعيد تشكيل محطاتها انطلاقًا من صوت الحالم الشاعري بضرورة أن يقص حكاياته على الآخرين، ولهذا وجد الطفل بوزيد ليقص بدوره حكايته على الترهوني الجالس على طاولة الكتابة بين جدران غرفته في الاستراحة رفقة كلبه رعد بعد تركه للشيخ بوزيد الذي ترعرع على صوت بوشيحة وهو يتردد دون انقطاع في أحلامهما طوال فترة الكتابة وبعد انتهائها قائلاً:  

“العالم أمامك، ويمكن لهذا العالم أن يتشكل بسهولة في مسار الرحلة لأن السرد سيمنح كل من يغذي طريقه بابًا ليجد البهجة في الخيال على طرف لسان أسطورتنا الليبية التي يمكننا بالتأمل فقط إعادة كتابتها.”


[1] مارسيل ديتيان، اختلاق الميثولوجيا، ترجمة د. مصباح صمد، مراجعة د. بسام بركة، الطبعة الأولى، بيروت: المنظمة العربية للترجمة، توزيع مركز دراسات الوحدة العربية، أيلول (سبتمبر) 2008.

[2] James Redfield, “Herodotus the Tourist,” Classical Philology 80, no. 2 (April 1985): 97–118, accessed August 17, 2013, http://www.jstor.org/stable/270156.

[3] هيرودوتس، أحاديث هيرودوت (487/489-425 ق.م) عن الليبيين الأمازيغ، ترجم د. مصطفى أعشي، منشورات المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية (مركز الدراسات التاريخية والبيئية)، الرباط، المغرب، د.ن، 2008.

[4] محمد عبدالله الترهوني، سمعان القوريني (الليبي الذي حمل الصليب)، الطبعة الأولى 2021، الطبعة الثانية 2025، طرابلس، ليبيا: مكتبة طرابلس العالمية للنشر والتوزيع.

حمزة الفلاح
كاتب و باحث