
وادي عويص ©Jona Lendering
استخدام الألوان في الفن الصخري
مقال، إثنوغرافيا | محمد عبدالله الترهوني
ما هي المغرة؟ من الناحية الإثنوغرافية، تعتبر المغرة أكثر أنواع الصبغة استخدامًا في الفن الصخري، وهي مصطلح عام يطلق على كل تربة حديدية أو طين أو صخر يحتوي كمية كافية من أكسيد الحديد أو هيدروكسيد الحديد. تم استخدام المغرة لأول مرة في إفريقيا وأصبحت جزءًا من السياق الرمزي في الفن الصخري. المغرة موجودة في جداريات الفن الصخري، وفي المدافن المطلية بالمغرة، وعلى خرز بيض النعام. ومع ذلك، في علم الآثار عندنا تم إهمالها والتقليل من أهميتها واعتبارها غير جديرة بالذكر. يقوم علماء الآثار بالتنقيب للبحث عن إجابات محددة، لكنهم لم يفكروا أبدًا في الإجابة عن لماذا اختار الإنسان استخدام المغرة الحمراء والصفراء والبنية وغيرها في ممارساته الرمزية؟ وما هي الأفكار الإثنوغرافية التي يمكن أن تطرحها المغرة وباقي الأصباغ على الباحث اليوم؟ لماذا يتم استخدام صبغة معينة دون غيرها لجداريات معينة؟ ما هي الأسباب التي يتراجع معها لون إلى خلفية المشهد، في حين كان هو الأكثر استخدامًا أو أهمية؟ ربما يتوقف استخدام ألوان معينة بسبب الظروف المناخية؛ في المناطق الجافة تستخدم ألوان معينة، في حين تستخدم ألوان أخرى في المناطق الرطبة. ربما يتغير استخدام ألوان معينة بسبب الهجرة أو تغيير مكان المعيشة. أيضًا يمكن فهم بناء التسلسل الزمني والأسلوبي من خلال التغيرات اللونية من فترة إلى أخرى. كل هذه الأفكار وغيرها تجعل المغرة والأصباغ ذات أهمية عالية جدًا في دراسات الفن الصخري.
في مقال لمجموعة من الباحثين، منهم دي ليرنا بعنوان: “اللون في السياق .. أصباغ وبقايا ملونة من موقع تاخارخوري في الأكاكوس”، نجد تأكيدًا على وجود “مجموعة من البقايا الأثرية الملونة التي تعود إلى العصر الهولوسيني المبكر والمتوسط”. والغريب أن هذا المأوى بالذات لا وجود فيه لجدارية واحدة. يشير المقال في هذا الصدد إلى أن المغرة الممزوجة بعناصر أخرى يمكن استخدامها كأدوية، واستخدامها كمعجون لتثبيت الأدوات الحجرية وإصلاح الأدوات الخشبية، وتحضيرها (عادة ما تخلط بالزبدة أو الحليب) لحماية أو تزيين الشعر والجلد. أما استخدام المغرة في الدفن، فيشير المقال إلى أنه عادة ثقافية معروفة جيدًا من سياقات العصر البليستوسيني والهولوسيني في شمال إفريقيا. التحليلات التي أجريت على جداريات الأكاكوس أثبتت استخدام مواد عضوية (بروتينية في الغالب)، وتم تحديدها على أنها البيض ومصل الدم. أما بالنسبة للأصباغ في مأوى تاخارخوري فقد تم تأكيد وجود المغرة والألوان: الأحمر والأصفر والأبيض، البرتقالي، والوردي… عثر على بعض آثار الأصباغ على مصنوعات حجرية وأشياء أخرى مثل الأدوات العظمية والخشبية والخزفية (شكل 1). وفي ظل الكثير من التخمينات، ينتهي المقال إلى القول بأن التفسير الأكثر ترجيحًا لوجود هذا الكم الهائل من البقايا الملونة هو بالفعل لرسم جداريات الفن الصخري. على الرغم من تركيز المقال على تحديد التركيب العنصري الجزيئي لبقايا الأصباغ في تاخارخوري، إلا أنها تبقى مجرد توصيف لدهانات وأصباغ ومواد رابطة، ولم يستخدم المنهج الإثنوأثري لفهم وتفسير الاستخدام الرمزي لهذه الأصباغ ودورها في الجداريات.

1- صورة لـ S. Giovannetti
لقد تم استخدام جداول ألوان قياسية خوفًا من استخدام المصطلحات الذاتية لوصف الألوان، على الرغم من الصعوبات المرتبطة باستخدام هذه الجداول بسبب عدم إمكانية إعادة الألوان بشكل دقيق. لقد طُعن في “مخطط ألوان مونسل” لأنه يستبعد ظواهر أخرى تؤثر على تصنيف الألوان في سياقات متنوعة. أضف إلى كل ما سبق استخدام مفاهيم غريبة للألوان.
لا شك أن استخدام الألوان في الفن الصخري يتم بطريقة تفضيلية. شعب سان، وكما يقول وودهاوس “ألوان اللوحات مستوحاة من ألوان الأرض الطبيعية، اللون الأكثر شيوعًا هو اللون الأحمر، ويتراوح بين القرمزي الفاتح الصافي ودرجة تقترب من البنفسجي. أما الأبيض والأسود فهما شائعان جدًا. الأصفر والبرتقالي والبني والوردي أقل شيوعًا إلى حدٍ ما (شكل 2)، واللون النادر هو الأزرق الرمادي الذي يظهر أحيانًا، ولا وجود للون الأخضر”. ويمكن تفسير هذا الأمر بالبيئة الصحراوية التي كان يعيش فيها شعب سان، خاصة وأن لويس ويليامز يرى أن الفن الصخري ما هو إلا محاولة للسيطرة على البيئة.

2 صورة لـ Steve Tatum, South Africa
ولهذا تعد جداريات الفن الصخري سجلًا إثنوغرافيًا واعيًا بذاته. ويمكن القول إن اللون الأحمر هو الأكثر شيوعًا في الفن الصخري في إفريقيا، وهذا الأمر ينطبق على الفن الصخري في ليبيا. اللون الأحمر يتمتع بتاريخ طويل في إفريقيا، وهو في صميم السلوك الرمزي عند البشر. هناك الأحمر القرمزي والأحمر الطيني والبني المحمر في أغلب لوحات الفن الصخري في ليبيا، وربما تعود أهمية هذا اللون إلى النار كقوة خارقة ترمز إلى التحول والعبور. تقوم قبائل الكونغو بطلاء أنفسهم باللون الأحمر في نهاية فترات العزلة المرتبطة بطقوس العبور. الأخضر لم يظهر إلا في بعض لوحات الفن الصخري الليبي (شكل 3-4). أما الأزرق فلا وجود له على الإطلاق، وربما يعود سبب غيابه إلى صعوبة استخلاص الأصباغ النباتية كالأزرق والأخضر. اللون الأبيض في الفن الصخري يعتبر حجابًا أو حدًا فاصلًا للدخول والخروج من العالم المادي إلى عالم الأرواح، وعادة ما نجده في الفن الصخري الليبي كحد خارجي للأشخاص، ويمثل الفاصل بين العالمين (شكل 5). وعند شعب سان يُطلى الشخص الذي يخرج من سطح الجدار باللون الأبيض.


3-4- صورة لـ B.Fouilleux, وان تماوت (يسار), افوزيجار 1(يمين)

5- صورة لـ B.Fouilleux
لقد تم استخدام المغرة والأصباغ كوسيط رمزي في العصر البليستوسيني والهولوسيني. أما قبلها، في الفن الصخري المبكر جدًا، فقد كان الشكل أهم من اللون. لكن ما فهمه الإنسان في ما قبل التاريخ هو أن للألوان قيمة عاطفية، في حين لا تحمل الأشكال مثل هذه القيمة. هذه القيمة العاطفية، مع الوقت، تحولت إلى سلوك رمزي وتعقيد معرفي، بل إن الألوان أصبحت أداة اتصال، وهي ما يحمل الرسالة الرمزية للفن الصخري. في وادي عويص- الأكاكوس هناك ما يثبت خلط الألوان قبل وضعها على الجدار. وبالرغم من سهولة الحصول على المغرة الصفراء من الصخور الطينية، وأن هناك ألوانًا مثل الأبيض والأسود لا تحتاج إلى استخراج، وهي من مواد أخرى: الأبيض من براز الطيور، والأسود من الفحم، ولهذا فهي لا تشغل حيزًا واسعًا في اللوحات؛ إلا أن اللون الأحمر كان يهيمن على القارة الإفريقية بأكملها. في الجدول المرفق، الذي أعدته الفنانة شفاء سالم خصيصًا لهذا المقال، نرى هذه السيطرة للأحمر على باقي الألوان. لكن هذا حدث في فترة الهولوسين وليس قبلها. كان الرسم في ما قبل التاريخ طقسًا، والألوان كانت لها قوة خاصة، وعززت الألوان في كثير من الأحيان الطابع السحري والروحاني للوحات. إن عدم معرفتنا بأهمية المغرة يعد فجوة معرفية كبيرة جدًا. لا توجد دراسة واحدة، على حد علمي، ترسخ المغرة كممارسة ثقافية، وأن استخدامها يدل على التطور البشري ومرتبط بتطور الطقوس. وربما تكون هذه هي المرة الأولى التي يوضع فيها جدول لألوان الفن الصخري الليبي.

جدول1- يظهر تكرار استعمال الألوان او ندرة استعمالها في الفن الصخري الليبي

جدول 2 – يظهر الألوان المستخدمة في بعض امثلة الكهوف الليبية.

Mohammed Abdallah AlThrhuni
writer and researcher