حدث إثنوليبيا
معرض فني ادبي

مشروع: معرض | شفاء سالم، محمد الترهوني، حمزة الفلاح، 19/12/2024

في هذا المعرض الفني والذي قُدم في نسختين عام 2024، وفي سياق عملنا على التاريخ الليبي قدمنا هذه الفكرة في تجربة جديدة تمزج بين الفن التشكيلي والأدب بوصفهما لغتين متكاملتين في سرد المعنى وبناء الذاكرة، وقد حرصنا على تقديم الأعمال البصرية في هذا المعرض لا ككيانات صامتة، بل كيانات تتحاور مع النصوص الأدبية المصاحبة لها.

 

أولاً وفي الجانب البصري قدمت الفنانة شفاء سالم في معرض (إثنو ليبيا) وهو معرضها الشخصي الثاني ستة لوحات أصلية من نتاجها إضافةً إلى ثمان مطبوعات يدوية مستوحاة من فصل القبائل الليبية من كتاب (مدارات الثعابين الليبية) للكاتب حمزة الفلاح، إضافة إلى منحوتتان وقد جرى تقسيم المعرض الفني إلى قسمين : قسم اللوحات التشكيلية، قسم المطبوعات اليديوية، المنحوتات، والكتب. اللوحة الأولى جاءت بعنوان طقوس التكريس في وان تاماوات – الأكاكوس، ويعود تاريخها إلى فترة الرؤوس المستديرة وهي لوحة اكتشفت من قبل فابريزو موري ويقال أن حجمها 160 سم، ولها رؤوس بأقنعة مشابهة لتلك الموجودة في وادي متخندوش، ومن جماليات هذا العمل الدور الأمومي في المجتمع الصحراوي والذي عبرت عنه الفنانة بتكريس ومباركة الصبي لمباشرة الصيد على يد السيدة الجالسة. أما عن اللوحة الثانية القبائل الليبية – إعادة بناء الذاكرة الجمعية فهي تعبر عن ثقافة الليبيين القدماء في اللباس والهيأة من الوشوم والحلي والأحزمة وتصفيفات الشعر إلى نوع الجلود التي كانوا يرتدونها، وهذه اللوحة تمثل قبائل ليبيا في عصور ما قبل التاريخ وهي جدارية موجودة في معبد سيتي، ومن جمالياتها أنه جرى العمل من قبل الفنانة على الزي الليبي الأصلي وهي الجلود وفق الدراسات لتصحيح مسار الذاكرة بعيدًا عن خيال الفنان الذي رسمها ومن أجل عدم التعامل مع ما هو موجود دون تفحص وتدقيق، وعلى أنه النسخة الصحيحة من ثقافة وأزياء القبائل الليبية القديمة.

تأتي اللوحة الثالثة الغناء المقدس – شوامونيمز كعمل فريد من نوعه وهي شخصية لمغنية موجودة في معبد الكرنك في عهد أوسركون الأول، وهذا العمل خصيصًا يعكس التقليد القديم للغناء الليبي في المعابد والمخصص للعذراوات كطقس ديني احتفالي، شأنه شأن استجلاب النبوءات، وطقوس الاستمطار الليبية. أيضًا في اللوحة الرابعة أمازونات ليبيا تستعرض التصورات تمثيل قوة النساء الليبيات المحاربات وهن الأمازونات اللواتي يمثلن العالم الأمومي الحقيقي في مقابل العالم اليوناني المقلوب. تأتي اللوحة الخامسة تحت عنوان الصراع الليبي الإغريقي وفي هذا العمل طرح لفكرة الصراع الثقافي كأساس لاستيطان الإغريق لليبيا، وهذا الصراع الذي يقوم في أساسه على تهميش المجتمع الأمومي الصحراوي الذي هيمن في عصور ما قبل الهيلينية مقابل صعود المجتمع الذكوري الإغريقي، وفي هذا العمل تمثل الآلهة الليبية آثينا هذا التحول والصراع مع المجتمع الذكوري من خلال تمثيلها برمح ودرع. أما عن اللوحة السادسة والأخيرة في القسم الأول بعنوان ليبيا زوجة الإله الليبي بوسيدون في هذا العمل توضيح لاسم ليبيا الجغرافي فنيًا وفي سياق هذه اللوحة تأتي ليبيا المكان الذي عاش فيه الإغريق بعد وصولهم وتأسيسهم لقورينا، ومن الجدير بالذكر بحسب الوصف المرفق باللوحة أن هذا الاسم قد ظهر في هذه الفترة كاسم لسيدة البلاد، إلى جانب أبولو وقورينا وباتوس الذين حكموا الأرض الواقعة من دلتا النيل إلى خليج سرت من الناحية الأسطورية للتسمية.

 

الغناء المقدس – شوامونيمز

القبائل الليبية – إعادة بناء الذاكرة الجمعية

طقوس التكريس في وان تاماوات

ليبيا

الصراع الليبي الإغريقي

أمازونات ليبيا

أما حول قسم المطبوعات اليدوية وهو القسم المقابل لقسم اللوحات عملنا على الدمج ما بين الصور والكلمة في محاولة لاستحضار ذاكرة القبائل الليبية القديمة وعاداتها والإثنوغرافية التي تميز كل قبيلة عن الأخرى، وقد وقع الاختيار على مجموعة من النصوص في الفصل الأول من كتاب (مدارات الثعابين الليبية – حوار مع بناة العالم القديم)، وهو كتاب مكون من ثلاث فصول : الفصل الأول يتناول إثنوغرافيا القبائل الليبية وأساطيرها مع إبراز أغرب عاداتها وسلوكها الاجتماعي في الحياة اليومية ويأتي هذا الكتاب ضمن سياق الكتابة عن التاريخ الليبي وفق النص المتعدد التخصصات مع التركيز على إظهار الروح الشعرية لهذا التاريخ كرد فعل على موت النص التاريخي الأكاديمي من أجل خلق رؤية تأملية أدبية لا تخلو من منهج التحليل. يأتي الفصل الأول بعنوان حول القبائل الليبية 1250 ق.م – 7400 ق.م)، أما الفصل الثاني بعنوان (الثقافة الصاعدة 1250 ق.م – 146 ق.م)، وهذا الفصل يتناول بالتحليل المعمق إظهار الجذر الليبي للأسطورة في الميثولوجيا الإغريقية وتأثير الفضاء الليبي في المنطقة في كل الأدبيات المرتبطة بـ ليبيا، أما الفصل الثالث جاء بعنوان حرب السيقان العارية ( 146 ق.م – 642 ق.م)، وفي هذا الفصل يتناول الفلاح الفترة الرومانية والعلاقة الشائكة ما بين الإمبراطورية الرومانية القديمة مع الأراضي الليبية.

 

في قسم المطبوعات اليدوية جاءت أولى المطبوعات بعنوان حلم إبافوس وتتناول هذه المطبوعة أسطورة إبافوس وغرق سفينته في بحيرة تريتونيس وفق النبوءة الواردة في بيثيا بندار بالحق الإلهي بالمكوث وإقامة مائة مدينة إغريقية في ليبيا، وهذا الحلم هو فكرة الصراع الثقافي ما بين اليونان وليبيا والمتمثل في زواج إبافوس أحد أعضاء طاقم الرحلة من ابنة الإله الليبي تريتون الذي طالبهم بتسليم الحامل الثلاثي وفق النبوءة لإنقاذهم من الغرق في رمال البحيرة التي جفت. أما المطبوعة الثانية فجاءت بعنوان الأتلانت المنشقون وهي إحدى القبائل الليبية القديمة والأسطورية التي حدثنا عنها الكثير من الرحالة الإغريق، وحول هذه القبيلة يقول هيرودوتس ” قومٌ لا يأكلون كائنًا حيًا، ولا يرون أحلامًا في منامهم”. تأتي بعد ذلك المطبوعة الثالثة وجاءت بعنوان البسيلي منقذو الأباطرة وهي من أهم القبائل الليبية ويتناول النص أغرب عاداتها في الطب والأعراف الاجتماعية وعبادتهم. أما المطبوعة الرابعة فقد جاءت بعنوان نباتيو الأحلام اللوتفاجي وزهرة اللوتس وهذا النص يتناول موضوع قبيلة اللوتفاجي وتقديسهم لنبات اللوتس. في هذه الزهرة تجتمع سمات الليبيين : ساقها الذي يشبه الثعبان وهو رمز الماء، السمة الريشية على رأس بتلاتها، وحالة الطفو في المستنقعات التي تكثر بها وتمثيلها للقارب الشمسي.

المطبوعة الخامسة جاءت بعنوان المهرجون التعساء ونساء الماخلاي وهو نص يستعرض أغرب عادات الزواج من نساء هذه القبيلة والأجواء الاحتفالية قبل التقدم للعروس. تأتي بعد ذلك المطبوعة السادسة وجاءت بعنوان أشباح الأدرماخيدي وفي هذا النص يتناول أهم العادات التي تميزهم وعلاقة النساء والرجال والملوك داخل القبيلة. أما عن المطبوعة السابعة فجاءت بعنوان الغزانتيون وبوابة النحل وهو نص يسرد علاقة هذه القبيلة مع النحل ويقدم علاقة الليبيين بعبادته والتجارة به. تأتي المطبوعة الثامنة في القسم بعنوان الناي الليبي وهو يتناول فكرة الناي وعلاقة الإنسان الأول بهذه الآلة النفخية واكتشاف الموسيقى. في قسم المطبوعات كان العمل يعتمد على التوليف ما بين الصورة والنص وكيف يمكن خلق سردية بصرية اعتمادًا على إثنوغرافيا هذه القبائل من خلال شعرية النص ذاتها.

 

البسيلي منقذو الأباطرة

الأتلانت المنشقون

حلم إبافوس

أشباح الأدرماخيدي

المهرجون التعساء ونساء الماخلاي

الأحلام اللوتفاجي وزهرة اللوتس

الناي الليبي

الغزانتيون وبوابة النحل

 

في ذات سياق البصري والكتابة جرى العمل على إخراج شخصيات رواية الناقد والكاتب محمد عبدالله الترهوني والتي جاءت بعنوان “موت الآنسة ألكسندرين في ليبيا“، وتتناول هذه الرواية التاريخية حكاية موت المستكشفة الهولندية في ليبيا وتعتمد الرواية على وضع المغامرة في فضاء الصحراء الكبرى ومدينة طرابلس إحدى المحطات المهمة التي أقامت بها المستكشفة قبل موتها. يستند الكاتب في هذا العمل على أحداث واقعية، تسرد حكاية الرحالة الشابة التي عاشت مغامراتها في شمال إفريقيا، بما في ذلك ليبيا خلال القرن التاسع عشر. هذا العمل هو حكاية التوثيق التاريخي بروح الأدب والمغامرة العاطفية للحلم في عيون الشخصيات التي رأت في النجاة من الكثبان البعيدة أكبر آمالهم للعثور على الأمل الأخير في حزن الصحراء.

 

 

أما حول القسم الأخير وهو قسم المنحوتات، أضافت الفنانة شفاء سالم عملين إبداعيين من نتاجها في مجال النحت، وجاءت المنحوتة الأولى بعنوان على سرير من الحجارة الأبدية، وهذا العمل يتناول طقوس الدفن لدى الليبيين القدماء والأسلوب الجنائزي في وضعية الميت ومقتنياته، ويبرز السلوك الاجتماعي المتعارف عليه لضمان انتقال الميت بسلاسة إلى العالم الآخر للحفاظ على روحه. أما المنحوتة الثانية فجاءت بعنوان الحياة والموت، وهذا العمل يتناول أهمية ابن آوى كحيوان أسطوري لعلاقته بالحياة والموت في الفن الصخري الليبي، إضافة إلى وظيفته الاجتماعية إلى جانب وحيد القرن في ما قبل التاريخ في الطقوس والمناسبات الاحتفالية والرقص والولادة.

 

على سرير من الحجارة الأبدية

الحياة والموت

 

في معرض إثنو ليبيا كان للشعر والنثر، الأدب، والدراسات العلمية والتاريخية في سياق النص – متعدد التخصصات دور في هذا التلاقي مع الفن التشكيلي والنحت من أجل تحويل النص إلى امتداد بصري، لتغدو اللوحة والمطبوعة والمنحوتة نصًا قائمًا بذاته ومفتوحًا على إعادة القراءة، التأمل، والتأويل، ما يمنح المتلقي تجربة متعددة الحواس تستكشف العلاقة بين الصورة والكلمة، وبين الخيال والذاكرة الجمعية في صيغة فنية واحدة متداخلة الأصوات والدلالات.