أن تكون أنثروبولوجيا يعني أن تكون حزينا

مقال: انثروبولوجيا، محمد عبدالله الترهوني

بعد عودته من البرازيل كان كلود ليفي شتراوس يقضي معظم وقته في تصنيف القطع التي عاد بها من هناك، وفي وقت فراغه كان قد بدأ في كتابة رواية، لكنه توقّف عن كتابتها بعد خمسين صفحة. وكان عذر ليفي شتراوس عن إكمالها هو افتقاره إلى الخيال. لم يتبقَّ من الرواية سوى اسمها مداريات حزينة؛ فلم يكن في وسع شتراوس ترك حزنه جانبًا، وسواء أكان هذا الحزن متوَّجًا بالكذب أو الجبن، فهو يجد طرقه دائمًا إلى قلبك ولا يخرج منه. في السادسة عشرة من عمره قرأ ماركس دون أن يتذكّر أنه يوقظ الجبال النائمة، ودرس الفلسفة دون أن يتذكّر أنها هي ما يفضح الحزن. كان شتراوس مثقّفًا، وعاش فترة دراسته بين طيفَي الكلاسيكية والحداثة، وكان مشوَّشًا وخسر المواجهة مع الرياضيات واللغة الإغريقية الأكثر غموضًا. ترك الحلم بالمدرسة العليا للأساتذة، وغاب في ثنايا كلية الحقوق. ولأنه كان وفيًّا للفلسفة وليس للإغريق، استمر في دراستها في جامعة السوربون. وهناك وجد زوجته السابقة دينا دريفوس مثل شجرة تفّاح وحيدة، وقد جمعتهما الاشتراكية والفلسفة والحزن النقي المربوط بعقدة من الموهبة.

 

في هذه الفترة كان شعلةً سياسية تتفجّر من ناحية، ومن ناحية أخرى كان يعيش كوابيسَ كتبِ القانون الخاملة. لا شكّ أن علاقة شتراوس بمجلّة وثائق تشبه الوصول إلى مكان التنهدات الأخير: جنون باتاي، وهلَع ليريس، وصرخات النوتة الخاصة بأندريه شيفنر. لكن الأهم من هذا كلّه الصداقة القوية التي جمعته بالأنثروبولوجي السويسري الفرنسي ألفريد ميترو. إلى هذه اللحظة لم يكن شتراوس يعرف شيئًا عن الأنثروبولوجيا.

بعد التخرّج عمل مُدرّسًا، وكان لا بدّ من إتمام خدمته العسكرية. وعاش ضائقة مالية ولم يكن يخرج من التفكير فيها إلا بالمشي في الجبال المحيطة بباريس. وفي ظلّ بحثه عن مهنة أخرى غير التدريس وجد على هامش العلوم الإنسانية مجالًا بحثيًا جديدًا لكنه حزين. وأخيرًا، في ثلاثينيات القرن العشرين، فُتح الباب في فرنسا أمام البحث الإثنوغرافي. لكن بول نيزان اقترح على شتراوس الأنثروبولوجيا، فهي تناسب حزنه وطبعه الانطوائي. وأكثر ما أثار اهتمام وشغف شتراوس هو العمل الميداني الذي تجتمع فيه الفكرة والرحلة. الأنثروبولوجيا هي ما منح شتراوس فرصة الهرب خارج أوروبا، وهو نفسه يعترف أن الوجهة كانت عشوائية، بل إن هناك من يقول إن اختيار الأنثروبولوجيا نفسه كان عشوائيًا؛ فقد كان القرار أن تكون الصحافة هي مهنته بعد أن كاد يلتهم نفسه في مجال التدريس. قبل النصيحة من مرسيل موس، فأخبره أن الهنود في البرازيل ما زالوا يركضون عراة في الغابات. وفي أوائل فبراير 1935م كان شتراوس بصحبة زوجته دينا على متن السفينة مندوزا في طريقه إلى هناك.

لم يخطّط شتراوس لأن يكون أنثروبولوجيًا، بل إنه يقول عن رحلته وكتابه:

 

أكره السفر والمستكشفين، وها أنا ذا على وشك سرد رحلتي الاستكشافية. لكن كم استغرق الأمر من وقت لأتمكّن أخيرًا من فعل ذلك! لقد مرّت خمسة عشر عامًا منذ أن غادرتُ البرازيل آخر مرة، وخلال كل هذه السنوات كنتُ أخطّط لكتابة هذا الكتاب، وفي كل مرة كان يمنعني شعورٌ بالخجل والاشمئزاز. لماذا يجب على المرء أن يروي بدقّة كل هذه التفاصيل المبتذلة، وكل تلك الأحداث التافهة؟”

 

لقد قام شتراوس بكل تلك الرحلات بسبب الحزن، وسرده الأنثروبولوجي في مداريات حزينة ما هو إلا بنية من حزن كبير. كتب شتراوس عن تفاصيل اكتشافاته في البرازيل، لكنه كتب أيضًا عن رحلته الحزينة وكيف أصبح أنثروبولوجيًا. سرّ نجاح هذا الكتاب هو الحزن الذي يطقطق أصابعه في روحه كل مساء. كان شتراوس حزينًا لأنه يأخذ الأنثروبولوجيا إلى نفق الفلسفة الذي يسأل عن ظروف وإمكانات الحياة البشرية، وحزينًا أكثر لأنه أراد لكتابه أن يكون أدبيًا يطّلع عليه المثقّف الفرنسي وليس عالم الأنثروبولوجيا. لكنه حين أراد أن يكتب عن تجربته وجد القرّاء الأنثروبولوجيا في نصّه. لقد كتب، ودون أن يعلم، نصًا متعدّد التخصّصات، وفيه من الشعرية ما لا وجود له في النصوص الأدبية. المفارقة الحزينة التي عرفها شتراوس هي أنه لن يعرف تلك المجتمعات التي درسها تمام المعرفة أبدًا. هذه الحقيقة تجعل من الاستكشاف رحلةً حزينةً تدور في فراغٍ مأساوي. هناك مرارة في البحث الأنثروبولوجي بسبب الذاكرة غير المحددة؛ لم يكن شتراوس يعرف إن كان يبحث عن ماضي قبيلة في البرازيل أم عن ماضيه. هل كان يستكشف الآخر أم أنه كان يستكشف ذاته ويحاول غرسها في أرض الأنثروبولوجيا؟ هناك شعور لدى الأنثروبولوجي بنهاية البراءة ومعها المجتمعات الأصلية القديمة. هذا الشعور يغرس الحزن بسبب الشعور بزوال ما تبقّى من نقاء في هذا العالم. وبهذا المعنى كان شتراوس يكره الاستكشاف الذي يمنحه الفرصة لرؤية العالم وهو في بذرته الأولى.

كان حزن شتراوس أكبر من غيره، لأنه كتب مداريات حزينة بعد أن فقد الأمل في أن يكون أنثروبولوجيًا:

 

انفصلتُ عن الماضي، وأعدتُ بناء حياتي الخاصة، وكتبتُ كتاب مداريات حزينة، الذي ما كنتُ لأجرؤ على نشره لو كنتُ أنافس على منصب جامعي“.

كان شتراوس يعتقد أن الحزن لن يجده على أطراف حوض الأمازون؛ رجلٌ يسير خلف البغال حاملًا حزنه وذاكرةً فيها ما لا يخطر على بال العالم. لكن الحزن وجده، وتحول في قلبه إلى مرارة في نهايتها نشوة لا يعرف إلا الأنثروبولوجي مصدرها. في أنثروبولوجيا شتراوس رعشة لا يمكن كبحها، وحزن ونغمة مُرّة تبلّل صوتها. لكن ليس شتراوس وحده من شعر بهذا الحزن الذي تتفهمه الأنثروبولوجيا جيدًا؛ فكلّ أنثروبولوجي لديه هذا الحزن النحيل والصلب. محفوظ بنون، الأنثروبولوجي الجزائري، حمل حزن الأنثروبولوجيا وتمرينها الروحي القاسي. وفي الرد على سؤال وُجّه إليه: “ما الذي يعنيه أن تكون أنثروبولوجيًا من العالم الثالث؟”

يقول محفوظ بنون:

هذا السؤال يتطلّب إجابة مستمدّة من تجربتي الشخصية، أو على الأقل مبنية عليها. كمزارع سابق، وعامل مهاجر، ومناضل في حركة قومية، ودارس للأنثروبولوجيا، وعالم أنثروبولوجيا محترف، أجبرتني الظروف على التخلي عن تخصّص ما زلتُ أقدّره بشدّة، على الرغم من الملاحظات النقدية والتحفّظات الجادّة التي سأُبديها لاحقًا حول توجّهه العام، وعيوبه المنهجية، ونقائصه المعرفية“.

 

كان بنون أحد أعضاء حزب الشعب الجزائري وأحد أفراد جيش التحرير الوطني، وعاش تجربة السجن أيام الاستعمار. وبعد حصول الجزائر على استقلالها وجد نفسه مطاردًا ومجبَرًا على الخروج من الجزائر. اقتنع في المهجر بأنه من أجل إحداث تغيير في بلاده لا بدّ من إجراء دراسة جادّة للواقع الاجتماعي والثقافي في المجتمع المراد تغييره. كان قد بدأ التحضير لشهادة جامعية في الاقتصاد والفلسفة، لكن بعد الاطلاع على أعمال ليزلي وايت وبارينغتون مور وغيرهما فضّل دراسة الأنثروبولوجيا والتاريخ الاجتماعي. وفي إطار دراسته للدكتوراه في الأنثروبولوجيا تخصّص في أربعة مواضيع: أصل الدولة، والأنثروبولوجيا الاقتصادية، والمجتمعات والثقافات الفلاحية، والشرق الأوسط وشمال إفريقيا كمجال تخصّصي جغرافي. نلاحظ أن بنون وشتراوس يلتقيان في نقاط كثيرة؛ كلاهما من عائلة فقيرة، وكلاهما عاش التجربة السياسية، وكلاهما ترك مجال دراسته واختار الأنثروبولوجيا. كان بنون مبهورًا بعلم الأنثروبولوجيا: “فأيُّ تخصّص يمكن أن يكون أكثر نُبلًا وسموًّا من تخصّص يحلّل ويقارن، بطريقة منهجية ودقيقة للغاية، خصائص وأصول وتطوّر وأوضاع جميع الشعوب والثقافات والمجتمعات؟”

كان محفوظ بنون يعتقد أن الأنثروبولوجيا علمٌ ثوري حقيقي، وقادر على المساهمة في نضالٍ مرغوبٍ فيه للقضاء على المركزية العِرقية والشوفينية والعنصرية، ولِمَ لا الاستغلال؟ لكن الواقع كان مختلفًا تمامًا؛ فالأنثروبولوجيا الغربية هي ابنة الاستعمار، وتتجه إلى دراسة الآخر، أي العالم الثالث. فكيف يمكن لأنثروبولوجي من العالم الثالث، من الآخر، أن يكتشف أن هناك قلّة اهتمام بالظروف الخاصة التي أُجريت فيها البحوث الأنثروبولوجية خلال الفترة الاستعمارية؟ والمدهش أكثر أن يكتشف أن هؤلاء علماء الأنثروبولوجيا كانوا أكبر المستفيدين من تلك الفترة التي هيمنت فيها دولهم على دول أخرى من العالم الثالث. أيضًا يكتشف أنه لم يقتنع عالمُ أنثروبولوجيا أوروبي–أميركي تقريبًا بالثقافة التابعة التي درسها. وقد أُمر بنون بدراسة مجموعة صغيرة من العمال المهاجرين بمعزلٍ تام عن السياق التاريخي والاجتماعي والاقتصادي الاستعماري. وبعد حصوله على درجة الدكتوراه درّس لمدة عامين في أميركا، ثم عاد وانضم إلى هيئة التدريس بجامعة الجزائر. وصُدم عندما علم أن علم الأنثروبولوجيا قد تمّ إلغاء تدريسه بحجة أنه علمٌ استعماري، وعلّق على ذلك بقوله:

بما أن معظم العلوم الحديثة، كالكيمياء والفيزياء والهندسة والجغرافيا وغيرها، قد ساهمت، بشكل مباشر أو غير مباشر، في نجاح الاستعمار الأوروبي، فعليكم أن تكونوا منصفين مع أنفسكم بحظرها أيضًا“.

في العالم الثالث وجد عالم الأنثروبولوجيا محفوظ بنون نفسه عالقًا في وضعٍ غامضٍ ومتضارب، يثير توتراتٍ وتناقضاتٍ تُبقيه في أزمة فكرية ووجودية مستمرة. شتراوس كان حزينًا لأنه أنثروبولوجي في فترة الاستعمار، وهو الثوريّ الاشتراكي، ومحفوظ بنون حزين لأنه أنثروبولوجي في العالم الثالث الذي درسه شتراوس. الأنثروبولوجي حزين لأن الحياة تضعه على السطح الرقيق لمشاعرها؛ في كلّ رحلة يتغيّر الإيقاع وتظهر طقوس جديدة، وما يتبقّى مُسجّلٌ بوضوح في دفتر الأنثروبولوجي هو حزنه. هناك لَومٌ وشكّ وشعورٌ بالحيرة. أيّ معجزةٍ مخبّأة تملكها الأنثروبولوجيا الحزينة للعالم الثالث؟ وأيّ معجزةٍ مخبّأة تملكها الأنثروبولوجيا غير الكلمات الباهتة عن الماضي والشعوب الأصلية؟ إذ لا بدّ من أن تكون لنا أنثروبولوجيا تخصّنا، وهي أيضًا ستكون حزينة، لكن العزاء الوحيد في هذا كلّه أن رائحة أيدينا ولون بشرتنا سيكونان عالقَين في كلماتها.

محمد عبدالله الترهوني
كاتب و باحث