منذ القدم والتجمعات البشرية تنشأ حول مورد ماء، أو طريق تجارة، أو نقاط الحماية. وهذه البدايات عبارة عن بيوت بسيطة متجاورة، تربطها الحاجة قبل أن تجمعها الهوية، ومع الزمن تحوّل التجاور إلى نواة، والنواة إلى كيان عمراني متكامل. في مدينة سوكنة كنا في ضيافة الحاج عبدالرحمن الرمرام أحد وجهاء وأعيان المدينة والشاهد على تطور العمارة والبناء منذ الصغر بالتراكم من مستعمرات وقصور متباعدة إلى مدينة، عبر تفاعل الإنسان مع المكان، وحاجته للأمان، ورغبته في التعبير عن نفسه من خلال العمارة السوكنية، التي حولت التجمع إلى معنى، والمسكن إلى هوية.
إنَّ التعلّق بالأرض يُعَدّ أحد مفاهيمنا الأساسية التي ترتكز عليها رؤيتنا للجغرافيا الشعرية والمنظر الطبيعي. في مقابلتنا مع عبد اللطيف المهدي، وهو أحد المتعلّقين بشِعاب وأودية سوكنة، تتحوّل الأرض من مساحة صامتة إلى نصٍّ حيّ، تُقرأ فيه الجبال كاستعارات، والطرق كحكايات، والوديان كذاكرة مفتوحة.
في هذا اللقاء الشيّق، يُحدّثنا هذا المتعلّق عن طفولته وعلاقته الوجدانية العميقة بالبيئة والأرض كامتدادٍ لذاته، ومكان نشأته بوصفه مصدرًا لتشكّل الهوية والأحلام والرؤى.
مقابلة السيد محمد الغزالي، أحد وجهاء مدينة سوكنة. في هذا اللقاء الميداني داخل فناء القلعة وحُجُراتها، يُحدّثنا الغزالي عن القصر السوكني، وعن عادات أهالي سوكنة القديمة ونظامهم الاجتماعي، وكيف تحوّلت هذه القصبة إلى أحد أهم الملاجئ لسكان المنطقة في الحروب والأزمات. يُعَدّ القصر السوكني في ليبيا من المعالم التاريخية الهامّة، ويعود إلى القرن الخامس عشر، وهو جزء من آثار المنطقة التي تتميّز بكونها مصدرًا رئيسيًا للمياه العذبة في الجفرة، كما تُشكّل القلعة الحجرية جزءًا أصيلًا من المشهد الأثري الطبيعي للمنطقة الجبلية المحيطة بسوكنة.
ليست الزراعة مجرد إنتاج للغذاء، بل نظام ثقافي وحضاري شكّل علاقة الإنسان بالمكان، ومنها تكوّنت الذاكرة الجماعية، وتحددت مواسم الفرح والعمل. وفي عمقها الرمزي، تمثل الزراعة إيمانًا بالمستقبل، لأن كل بذرة تُدفن في التراب هي وعد بالحياة. في مدينة سوكنة ضمن رحلة العمل الميداني على نقوش الأودية كانت وجهتنا الأولى هي سانية الحاج يوسف بشير الذي حدثنا عن تجربته الشخصية مع الزراعة والنخيل وعن حنين الارتباط بالأرض بعيدًا عن حياة المدن.