
أكذوبة أصل الرؤوس المستديرة
مقال: الشامانية، محمد عبدالله الترهوني
الرؤوس المستديرة هي أكثر مجموعة تم الحديث عنها في الفن الصخري الصحراوي، ولا أحد يعرف على وجه التحديد حجم الخيال المفرط الذي ارتبط بهذه المجموعة، كان هنري لوت قد حول مجموعة الرؤوس المستديرة إلى ضباب غطى وجه العالم، وبصوته الناعم قدم مجموعة من الأساليب الرئيسية التي استخدمها أصحاب الرؤوس المستديرة في جدارياتهم، كان هنري لوت سعيدًا وهو ينظر إلى الدهشة حين كانت تغرس أعلامها في عيون أصحاب القلوب الرقيقة من الزوار، قام موزوليني بتعريف الرؤوس المستديرة على أساس مجموعة من الخصاص: الخاصية الأولى “هي لوحات ذات خطوط خارجية، غالبًا ما تكون بلون المغرة. الخاصية الثانية، يتراوح الأسلوب بحسب المجموعة، بين التبسيط والواقعية، لكن التبسيط ليس مطلقًا، حتى بين المريخيين، وبين المجموعة التي سنطلق عليها هندسية، تبقى مرونة معينة في الخطوط، والأكثر ملائمةً هو أن نستخدم مصطلح: شبه تبسيط. الخاصية الثالثة، غالبًا ما تكون رؤوس الشخصيات مستديرة أو شبه مستديرة. الخاصية الرابعة، لا تظهر طبقات الزنجار في هذه اللوحات، الألوان الزاهية التي تميز العصر البقري وما بعده.”[1]
أضاف موزوليني بعض السمات الحاسمة مثل أن الحيوانات قليلة العدد ولا تظهر إلا مع أشخاص، والسلاح المستخدم هو القوس بشكل أساسي، ولا ينسى موزوليني كغيره من الأثريين النصيحة بأن نتصرف بحكمة ونقارن كل شيء مع الحضارة المصرية التي لم تكن موجودة في الوقت الذي كان فيه من يُطلق عليهم الرؤوس المستديرة يقومون بسرد حكاياتهم على الحجارة، إذا أردنا أن نعرف أصل أصحاب الرؤوس المستديرة فعلينا السير على خطى الهواء السائر إلى كيل إيسوف.
في مقال بعنوان: “كيل إيسوف: وجه جديد للفن الصخري في الصحراء الوسطى” كتب نجيب فرحات، كارل هاينز ستريدترب، ميشيل تاوفيرونب:
“أثبتت الأبحاث الميدانية الحديثة في كتلة الحجر الرملي في تادرارت (أقصى جنوب شرق الجزائر)، وجود مجموعة فريدة من النقوش الصخرية أطلقنا عليها اسم “كيل إيسوف” (شكل 1)، وخصائصها موضحة فيما يلي: نحن بصدد نمط إقليمي إذ يقتصر هذا النوع من النقوش على تادرارت (بما في ذلك بعض المواقع الليبية)، بما أن رسومات فترة الرؤوس المستديرة تغطي نقوش كيل إيسوف، فإننا نقترح أنها نمط قديم، ربما من العصر البليستوسيني، تشير العديد من الرسوم إلى عدم وجود انقطاعات كبيرة تميز الانتقال بين كيل إيسوف والرؤوس المستديرة.“[2]
في مقال آخر بعنوان: “أوجه التشابه بين لوحات الرؤوس المستديرة ونقوش كيل إيسوف” تقول الباحثة جيتكا سوكوبوفا: “حتى الآن لم يعثر على نقوش كيل إيسوف إلا في أكاكوس (شكل 2)، وتادرارت الجزائرية (شكل3) ودجادو (شكل 4)، لكن قد يمتد انتشارها إلى منطقة أوسع بكثير، هذه الأشكال الصغيرة الحجم ذات الشكل البشري، ونادرًا ما تكون ذات شكل حيواني، لم تحظى باهتمام يذكر حتى وقت قريب، وقد افترض موري علاقتها بالرؤوس المستديرة لأول مرة بالنسبة للأكاكوس، ثم هليير بالنسبة لدجادو، ويبدو أن سترايدتر وآخرون قد أكدوا هذه العلاقة بالنسبة لتادرارت الجزائرية …. وتدعم فرضية موري القائلة كيل إيسوف هو شكل أصلي تطورت منه لوحات الرؤوس المستديرة”[3]، من كل ما سبق نفهم بطريقة لا تخلو من ضبابية وغموض أن أسلاف أصحاب الرؤوس المستديرة، هم الأشكال الصغيرة الحجم ذات الشكل البشري، لهذا يمكن القول بكلمات حارة وظهرت للتو من مفصل الفن الصخري: متى ما وجدنا الأشكال صغيرة الحجم فإننا وبدون جهد مفرط سنجد أثر تطورها وهو الرؤوس المستديرة، ولأن هذه الأشكال الموجودة في قاع الخلود موضوع إقليمي ولا وجود له في مناطق أخرى، تحول الأمر إلى سيرة لا عقلانية سحرية لقبيلة من العشاق والمتحيزين.

1-©U & B Hallier
في مقال آخر بعنوان: “أوجه التشابه بين لوحات الرؤوس المستديرة ونقوش كيل إيسوف” تقول الباحثة جيتكا سوكوبوفا: “حتى الآن لم يعثر على نقوش كيل إيسوف إلا في أكاكوس (شكل 2)، وتادرارت الجزائرية (شكل3) ودجادو (شكل 4)، لكن قد يمتد انتشارها إلى منطقة أوسع بكثير، هذه الأشكال الصغيرة الحجم ذات الشكل البشري، ونادرًا ما تكون ذات شكل حيواني، لم تحظى باهتمام يذكر حتى وقت قريب، وقد افترض موري علاقتها بالرؤوس المستديرة لأول مرة بالنسبة للأكاكوس، ثم هليير بالنسبة لدجادو، ويبدو أن سترايدتر وآخرون قد أكدوا هذه العلاقة بالنسبة لتادرارت الجزائرية …. وتدعم فرضية موري القائلة كيل إيسوف هو شكل أصلي تطورت منه لوحات الرؤوس المستديرة”[3]، من كل ما سبق نفهم بطريقة لا تخلو من ضبابية وغموض أن أسلاف أصحاب الرؤوس المستديرة، هم الأشكال الصغيرة الحجم ذات الشكل البشري، لهذا يمكن القول بكلمات حارة وظهرت للتو من مفصل الفن الصخري: متى ما وجدنا الأشكال صغيرة الحجم فإننا وبدون جهد مفرط سنجد أثر تطورها وهو الرؤوس المستديرة، ولأن هذه الأشكال الموجودة في قاع الخلود موضوع إقليمي ولا وجود له في مناطق أخرى، تحول الأمر إلى سيرة لا عقلانية سحرية لقبيلة من العشاق والمتحيزين.

2- ©Jean-Loïc Le Quellec

3- © K. Striedter

4- ©U & B Hallier
في مكان بعيد يشبه السؤال الفض، وأرض لا تسمع سوى ضياع السنين، هناك موقع للنقوش الصخرية في يوكوتس معروف باسم “نقوش أوتشيينغيتو” في محمية تول الهندية – كاليفورنيا، هذه النقوش في أمريكا تتغذى على الزمن والحب، وتسير في الليل كحلم كثيف تحت جفون أوتشيينغيتو، في هذا النقش (شكل 5) هناك قندس أحمر في أعلى اليمين، وعلى اليسار أفعى جرس ودب رمادي، وينتهي كلام كاتب مقال بعنوان: “الشامانية، والنمذجة الطبيعية، والفن الصخري لدى الصيادين وجامعي الثمار في أقصى غرب أمريكا الشمالية” بقوله:
“لا حظ الأنماط البصرية على الجانب الأيمن وأعلى اليسار، والحريش (أم أربعة وأربعين) في الأعلى، والأشكال البشرية في وسط الجدارية”[4]، ما الذي تفعله الأشكال الصغيرة الحجم في أمريكا؟ وهل هذا يعني أن هناك رؤوسًا مستديرة في أمريكا؟ لا يوجد رؤوس مستديرة في أمريكا ولا في أحلام اليوكوتس، لكن هناك شامانية في أمريكا وشامانية في الصحراء الوسطى، وهذا ما يبرر وجود الأشكال صغيرة الحجم في الأكاكوس وتاسيلي ودجادو ومحمية تول ريفر للأمم الأولى، كاليفورنيا (سفوح جبال سييرا نيفادا)، في لغة اليوكوتس كلمة “باهدين”؛ هي اسم جغرافي لمكان وتعني “مكان الغرق”، والمقصود هو أن في هذا المكان توجد أرواح الماء وحفرة الماء التي يبدأ منها الشامان رحلته، لنستمع إلى كلام ديفيد وتلي وهو يقول:
“دخل شامان من قبيلة كاهويلتا بركة ماء، أثناء قيامه برحلات البحث عن الرؤى ورأى روح ضفدع، بينما قيل إيموكلتاتا وهي روح أنثوية تسكن بركة ماء بالقرب من قرية يوكوتس، تسحب السباحين وتغرقهم، أي تأخذهم إلى مركز الوعي المتغير، كما كان يعتقد أن الأرواح الخارقة للطبيعة من أنواع أخرى كثيرة تسكن البرك (القلتة) والينابيع الدائمة، في الواقع، كان يعتقد بين شعب النومي أن توزيع القوى الخارقة للطبيعة يتبع توزيع مصادر المياه الدائمة والقمم العالية، وهذا يفسر أيضًا توزيع مواقع الفن الصخري”[5].

5- ©David S. Whitley
بالنسبة للطوارق كيل إيسوف؛ تعني “أرواح الصحراء”، وتعني “أهل الفراغ وكائنات العزلة، وكائنات غير مرئية”، ومن وجهة نظرنا هي “أرواح الماء أو البرك والينابيع”، يمكن قبول ذلك إذا نظرنا إلى (شكل 6) الذي لم يلتفت أحد إلى ما فيه من قبل، في وسط الجدارية هناك شخص صاعد في خط مستقيم من الأسفل إلى الأعلى وهو الشامان، حوله حيوانات مطر وكائنات منقطة بحبات المطر، رأس الزرافة وهي حيوان مطر وحيوان مساعد في المنظور الشاماني على اليمين، ورأس الشامان الذي صعد في رحلته بحثًا عن المطر على اليسار، في المنتصف أحد الأشكال صغيرة الحجم برأس مفتوح على شكل حفرة ماء، يندفع منها الماء إلى الأعلى، هذه الأشكال هي أرواح الماء في حفرة الماء وفي الينابيع الدائمة، في نهاية العصر البليستوسيني كانت هناك فترة جفاف طويلة وهذه الأشكال تعود إلى تلك الفترة الشامانية بامتياز، كانت القلتة أو حفرة الماء مقدسة وهذه الأشكال نفسها لو نزعنا أطرافها، لوجدنا أنه تأخذ شكل حفرة الماء، كل المسألة هي أن التفسير الشاماني لم يؤخذ بعين الاعتبار لمقاربة هذه الأشكال الصغيرة، والعجيب جدًا هو أن هناك جدارية يُقال أنها مرتبطة بكيل إيسوف في أسرة من زوجين وطفل (شكل 7)، هناك أيضًا في أرض اليوكوتس نفس الجدارية فيها زوجين وطفل (شكل 8)، ليس هناك أصل للرؤوس المستديرة من أجل البحث عنه عند أرواح الماء والينابيع، فهم بلا أدنى شك من سكان الصحراء وأسلافهم هم الذين عاشوا في زمن الحيوانات الإفريقية الكبيرة، الشامانية في الصحراء الوسطى تطورت بسبب الجفاف وتدهور المناخ، كان على الشامان وحيوان المطر لعب دور المنقذ في هذه المأساة، وربما تكون الشامانية في الصحراء الوسطى؛ هي أرقى ما وصل إليه الفكر الشاماني في كل إفريقيا.
[1] L’ art ru pestre prehistorique des massifs centraux sahariens-Alfred Muzzolini- Cambridge Monographs in African Archaeology 16 BAR International Series 318 · 1986- p 121-122.
[2] Les « Kel Essuf » : un nouveau faciès de l’art rupestre du Sahara central- Nadjib Ferhata, Karl Heinz Striedterb, Michel Tauveronb- Académie des sciences-2000- p 577–580.
[3] – Similarity between Round-Head Paintings and Kel Essuf Engravings- Jitka Soukopova- Royal Academy for Overseas Sciences Brussels, 17-19 September, 2015 pp. 173-180.
[4] – SHAMANISM, NATURAL MODELING AND THE ROCK ART OF FAR WESTERN NORTH AMERICAN HUNTER-GATHERERS-David S. Whitley-Special Publication- Rock Art Foundation, Inc.: San Antonio, Iexas – 1994- p 20-21.
[5] – ibid, 21.

6- ©

7- ©Kathy Moskowitz Strain

8-

محمد عبدالله الترهوني
كاتب و باحث