
أعظم متعلق بالأرض في عصره
مقال: المتعلق بالأرض، محمد عبدالله الترهوني
دخلت القافلة المحملة بكل غريب وعجيب من بوابة مرزق الكبرى، كان الناس ينظرون إلى العرش الذي يحمله جمل ضخم وقد دُهش الناس بلونه الأحمر الداكن، العرش كان هدية ستقدم لملك بورنو، جمل آخر كان يحمل ما هو أكثر غرابة في عيون أهل مرزق، ساعة بندول كبيرة، لم يتوقع أحد أن ذلك الصندوق يحمل الزمن بداخله، كان الدكتور الشاب ناختيغال ينظر إلى محمد القطروني ويتذكر المشي لمدة خمس أسابيع من طرابلس إلى مرزق، وفكر في أن محمد القطروني لم يكن يحتاج إلى خريطة أو بوصلة ليعرف الطريق، فالصحراء بالنسبة له مكتملة تمامًا وموجودة مثل سحابة بيضاء في لمحة من زرقة السماء، في حين كانت بالنسبة لـ ناختيغال خيال ثري للغاية وعنيف بطريقة لا تصدق، لم يُطلق على محمد القطروني لقب مستكشف، بل يشار إليه باسم الدليل العربي، لم يكن القطروني يفكر في لقبه أو في ماذا يُقال عنه، لقد ترك هذا الأمر لرمال الصحراء وكتب التاريخ المنسية، كل من درس مراحل اكتشاف شمال إفريقيا والصحراء يعرف محمد القطروني، لقد رافق القطروني هاينريش بارت في رحلته إلى تمبكتو وكوكه، وكارل موريتز بويرمان في رحلته إلى بورنو، ورولفس في رحلته إلى بورنو ومنها إلى مندرا، ورافق ناختيغال في رحلته إلى بورنو، ودوفرييه إلى أرض الطوارق، كان كل رحالة أوروبي ينصح القادم إلى الصحراء من بعده أن يكون القطروني هو دليله، يقول ناختيغال عن محمد القطروني في كتابه: “الصحراء وبلاد السودان”:
“لقد بدا لي أن أبناء وطني لم يعاملوا الرجل المحترم محمد القطروني بالاهتمام اللائق فهو رفيق بارت في رحلته إلى تمبكتو وهو الذي صحب أيضًا رولفس إلى بورنو ومندرا، كما أنهم لم يهتموا بجمله الأبيض الطارقي الذي أحضره إلى بلاده من بورنو خلال رحلته الأخيرة، لقد جاء من موطنه فزان من أجل مرافقتي، حيث كان يعيش بالقرب من العاصمة مرزق في قرية دوجال، وكان مشغولا في تهيئة حواية الجمال للرحلة الوشيكة، نظرت إلى وجهه الأسود المستدير بشيء من الرهبة المتسمة بالاحترام بتجاعيد لا تعد ولا تحصى، وأنفه الأفطس بمنخرين واسعتين، وفمه الخالي من الأسنان، وشعر ذقنه الأسود والأبيض الخفيف، وأذنيه الكبيرتين وعينيه الوفيتين.لم يكن الرجل المسن محمد كثير الكلام، كما لاحظت من مناسبات متكررة خلال السنوات التي تلت لقائي به، وكان رجلاً ودودًا، لم يكن عازفًا عن الاستمتاع بمباهج الحياة، ومع هذا فقد كان نادرًا ما أن يسمح باتزانه الذي كان من نتائج حساسيته البالغة، وخبرته أن يضطرب أو يشوش، ويجيب على تحياتي بوقار وعلى تعبيراتي بالسعادة بمعرفته الشخصية مستغلاً مقاطعة عمله؛ بأن يدفع في فمه مقدار ضئيل من أوراق التبغ الأخضر الذي دُق دقًا خشنًا من كيس جلدي صغير، وبأن يقطع قطعة بما تبقى من أسنانه من كتلة نطرون كعامل إصلاحي مناسب للتبغ، ويلبس فوق القميص الواسع المألوف في موطنه غطاءً صوفيًا دافئًا والذي هو أيضًا معتاد في فزان، وهو الآن يتدلى على ظهره بعيدًا عن رأسه المقصوص الشعر قصًا قصيرًا حتى لا يعيق عمله، عندما كان يجلس القرفصاء على القش الذي كان يحشو به الحوايا”[1].
كل ما نعرفه عن القطروني هو أن عائلته كانت تقيم في مدروسة ومنها انتقلت إلى مرزق، وفي النهاية استقرت في دوجال ولا أحد يعرف أسباب هذا الانتقال من مكان إلى آخر، محمد القطروني منذ طفولته فهم معنى التنقل مثل رحالة يدور وسط الصحراء كخشبة طافية في بحر من الرمال،كل واحد من هؤلاء الرحالة الذين رافقهم محمد القطروني، وبعد انتهاء رحلتهم كانوا يعودون إلى بلادانهم ومعهم مكان أجنبي بعيد وقاهر، لكن القطروني كان يعود إلى بيته ومعه بيته الكبير والواسع، بالنسبة لهم كانت الصحراء منسية ومهملة وهذا صحيح فقط في خريطتهم الذهنية الفقيرة، لكن بالنسبة للقطروني كانت الصحراء باب مفتوح على مصراعيه وهو فيها مثل طائر بري يطلق صرخته الحميمة، لا أحد يعرف كيف أصبح القطروني أعظم متعلق بالأرض في عصره، ولا أحد فكر كيف أصبح الطريق ملكه في حين يخاف الآخرين من أن يخطوا خطوة أخرى، بالنسبة للرحالة كانت الصحراء مكمل ثقافي بنكهة شرقية، بالنسبة للقطروني كانت الصحراء لحظة مكانية أو منضدة كبيرة تغطيها ذاكرته بلون الأسى، لم يفكر القطروني في هؤلاء الرحالة كمغامرين أو جواسيس، ولا فكر في هدفهم المعلن أو السري من هذه الرحلات في الصحراء، لم يكن لديه الوقت أو المعرفة للتفكير في مجالات السياسة والأخلاق، كل ما كان يهمه هو إتمام المهمة وسلامة هؤلاء الرحالة والعودة بهم إلى أرضهم.
عندما قاد القطروني قافلة بارت كان صغير السن، إلا أنه كان قد طاف كامل النصف الشرقي من الصحراء الكبرى، وعندما كان في مقدمة قافلة ناختيغال كان قد طاف كل الصحراء الكبرى، كان كبير خدم بارت ويتقاضى مرتبًا قدره أربع دولارات شهريًا، بالإضافة إلى مكافأة قدرها خمسون دولارًا عند إتمام الرحلة، عاش القطروني مع بارت مخاطر الصحراء وقام بحمايته في الكثير من المناسبات، في تمبكتو تعرض منزل بارت لإطلاق النار، فقام القطروني بتلقيم بندقيته وعندما حاول بارت منعه قال:
“لا بد أن الفولاني يعتقدون أننا جبناء، إذا لم نقف كرجال، فسوف يحتقروننا”.
ذكر هذه الحادثة دروغو في مذكراته عن رحلة بارت وما كان فيها من أحداث، كان محمد القطروني متعلقًا بالأرض التي تحمل أسماء مختلفة لنفس الكثبان والكتل الصخرية، لم يكن القطروني جغرافيًا لكن كان لديه عين جغرافية تعرف طريقها إلى نهاية الرحلة، لم يكن يتحرك ليستعمر شعبًا آخر أو يستولي على أرض أخرى، أراد فقط أن يسمع إيقاع الريح و صوت جمله وهو يئن من حنينه، كانت لديه حساسية مع الأرض ويشعر أن العالم بدون الصحراء عقيم وميت، عندما عمل مع رولفس كان قد أقسم لزوجته على أنه لن يقوم بأي رحلة أخرى، لكنه لم يستطع مقاومة نداء الكثبان وجنون الريح والعواصف، هذا هو المتعلق بالأرض والعابر للحدود بعفوية البدوي، لقد كانت ممارسة محمد القطروني للرحلة موضوع ابداعي دون أن يدري، وعندما يتصل بالأرض لا يعرف الكلمات المناسبة ليقولها، فقط يشعر بحزن النظرة البعيدة إلى الكثبان وهو يبتسم تلك الابتسامة الرزينة.
[1] الصحراء وبلاد السودان – المجلد الأول – الكتاب الأول طرابلس وفزان – ترجمة وتقديم د. عبدالقادر مصطفى المحيشي- مركز جهاد الليبيين للدراسات والتاريخ- صفحة 96-99.

محمد عبدالله الترهوني
كاتب و باحث