
أطفال الماء
مقال: شامانية، محمد عبدالله الترهوني
في منطقة سييرا نيفادا الجنوبية بالولايات المتحدة الأمريكية؛ أوضح تصريح من أحد المخبرين من قبيلة مونو الغربية: “كان المعالجون، بوهاج … يرسمون أرواحهم (أنيت) على الصخور لإظهار أنفسهم، ولتمكين الناس من رؤية ما فعلوه، لدى قبيلة كوسو شوشون ومجموعات أخرى، نُسب فن الصخور إلى “أطفال الماء” وبين قبيلة توباتولابال المجاورة تم تحديد أطفال الماء أنفسهم على أنهم الرسامون“[1].
الشامان هو طفل الماء. القوة الشامانية تأتي دون طلب، ويولد الإنسان شامانًا. عندما يولد يعلم أنه سيصبح شامانًا، في مقال آخر بعنوان: “الشامان، والبوابات، وأطفال الماء”: قبيلة بايوت الجنوبية وانعكاسات المناظر الطبيعية في جنوب نيفادا”: يقول كُتّاب المقال: “يعد وادي ديلامار مكانًا فريدًا ضمن أراضي قبيلة بايوت الجنوبية، حيث تعمل التلال البركانية، التي تضم العديد من صغار الماء، وأغنام الجبال، وآثار نقر الشامان كبوابات إلى بعد آخر. تشكل البوابات قناة روحية يستطيع من خلالها الشامان المرور عبرها من هذا البعد المادي الحالي إلى بعد معكوس، وفي هذا البعد يتحول الشامان جسديًا وروحيًا”[2].
الشامان مرتبط بجلب المطر وهذه هي مهمته التي ينتظر منه المجتمع أن يقوم بها، وجلب المطر بعد جفاف الأنهار والينابيع أصبح أهم عمل يقوم به الشامان، مهمة الشامان في جداريات شعب سان في جنوب إفريقيا هي جلب هذا المطر، وللقيام بهذه المهمة يدخل الشامان في حالة وعي متغيرة، وهذه الحالة تحدث عندما يدخل الشامان بروحه في حفرة الماء أو القلتة كما في (شكل 1) ولهذا السبب يُسمى الشامان طفل الماء. عندما يدخل الشامان إلى القلتة أثناء القيام برقصة الغيبوبة، يشعر بضيق في التنفس وتشوش في الرؤيا والسمع وصعوبة في الحركة وانعدام التوازن، هذه هي بداية الرحلة التي يقوم بها الشامان لجلب الماء، ودعونا الآن؛ نقف عند وصف شامان لهذه الحالة التي يُطلق عليها الوعي المتغير، الشامان هو ماليدوما باتريس سومي الذي يقول في كتابه: “من الماء والروح عن الرحلة” في فصل بعنوان: “من خلال حفرة النور”:
“كان من المهم بالنسبة لي أن أكون مركزًا، وأن أردد باستمرار صلاة الأجداد، وأن أقترب من بوابة العالم الآخر بهدوء كما لو كنت عائدًا إلى المنزل، …. أخذت نفسًا عميقًا وانطلقت إلى الأمام، كان جسدي عديم الوزن، وبالكاد أشعر به، استطعت رؤية دائرة وضوء يندفع نحوي أكثر فأكثر، كما لو أنني لست أنا من يقترب منه، بل البوابة نفسها التي تقترب مني، وسرعان ما ملء مجال رؤيتي بالكامل، وعلى بعد متر تقريبًا قفزت عاليًا فوق البوابة ونزلت إلى الداخل، في البداية شعرت ببرودة شديدة في جسدي، كما لو أني سقطت في مكان متجمد، ثم وعلى الفور تقريبًا، شعرت بنفسي هبطت بسرعة. كانت سرعتي مدوخة مما أدى إلى اختلال حواسي تمامًا وأصبح من المستحيل التحكم في هبوطي … وفي هذه الأثناء استمرت الأصوات الغريبة تحت الماء تحوم حولي من غير أن أعرف مصدرها، ما أردته …. تغير هذا التوهج بسرعة، متحولاً إلى عدد لا يحصى من الألوان، سيمفونية من الأسلاك المضيئة، كلها في حركة وتنفس، سيطرت علي غريزة البقاء وأمسكت بالأقرب إليَّ، ….. نظرت إلى الأسفل، على أمل أن أرى جسدي العاري، ولكنه هو الآخر كان غير مرئي، لم أكن هناك، ومع ذلك كنت موجودًا، كنت حضورًا غير مرئي يستحم في ضوء عدم رؤيتي، أين هو جسدي المادي؟ لم يكن لدي الوقت للتفكير في هذا الموضوع”[3].
يهبط الشامان في حالة وعي متغيرة من خلال القلتة إلى بعد آخر، ومن نفس القلتة يتم إخراج حيوان المطر، تقول جيتكا سوكوبوفا في مقال بعنوان: “المطر والفن الصخري في الصحراء: تفسيرات محتملة”:
“لا يضحي جالب المطر من شعب سان بحيوان حقيقي، بل يصطادون حيوان يسمى حيوان المطر خلال حالات الوعي المتغيرة، ويقودونه عبر السماء إلى المكان الذي تشتد فيه الحاجة إلى المطر، أو إلى قمة تل قريب، وهناك يُقتل الحيوان لينزل دمه مطرًا”[4].
إن المفارقة العجيبة هي أن جلب المطر في الشامانية مرتبط بالصخور والحجارة، الثقوب والكهوف والشقوق وغيرها من التضاريس غير المتساوية في سطح الصخور وجدران الملاجئ والكهوف – جميعها تعتبر بوابات يمكن للشامان السفر من خلالها، وربما في ذلك إجابة عن السؤال لماذا يرسم الشامان على جدار فيه شقوق وثقوب ويترك جدار آخر بجانبه سطحه مستوي ؟
يُقال أن أطفال الماء وحدهم قادرون على رؤية هذه البوابات، وفي ما قبل التاريخ كان يُنظر إلى الجدار الصخري على أنه حجاب شاماني، فالجدار الصخري له وجه مادي وآخر روحي، والرسم أو النقش على الجدار يجعله جزءًا من النقش أو اللوحة وهو ما يعطيها معناها، “بعض القبائل في إفريقيا وخلال فترة الجفاف الشديد يحمل الشيوخ حجرين ويضربونهما ببعضهما لجلب المطر، كان طبيب المطر لورين (كاواييسو) الذي يعرفه (إم إم) يمتلك شيئًا صغيرًا مستديرًا (حجر)، كان يرشه بالماء ويغني فوقه، ولو أنه وضع صخرة كبيرة لأغرق كل شيء”[5]. قبائل أمريكا الشمالية الشامانية تعتقد بأن الماء يعيش في صخرة وهي بيته، هناك اعتقاد راسخ بأن الصخور هي مصدر المطر، وهذا يكشف عن العلاقة بين الصخور والجدران والشامانية، في كل أنحاء العالم سفر الشامان لا بد أن يكون من حفرة ضيقة تحت الماء ومنها يبدأ السفر، معنى النزول إلى الحفرة لا يعني النزول إلى العالم السفلي، الشامان ينزل ليجد خيوط النور التي يمسك بها ويصعد إلى بيت الماء، أطفال الماء للحصول على المطر عليهم التفاوض مع الأرواح التي تقبض على الغيوم ولا تسمح بهطول المطر إلا بعد تفاوض يسيطر عليه الشامان في النهاية، فالرحلة ليست أبدًا إلى العالم السفلي بل هي رحلة إلى السماء حيث الغيوم الداكنة، عادة ما تكون القلتة قريبة من الجدار المنقوش أو المرسوم عليه (شكل 1) من وادي أمها، أيضًا في بعض المواقع نجد رسم أو نقش لأيدي أطفال كتوقيع على الجدران كما في (شكل 3،2) من جبل تماو، ويعتقد بعض المتخصصين أن الأطفال شاركوا في الرسم على الجدران، لكن الحقيقة هي أن هذه الأيدي كانت توقيع الشامان لكن بصفته واحد من أطفال الماء.
[1] The Signs of All Times- Entoptic Phenomena in Upper Palaeolithic Art- J. D. Lewis-Williams and T. A. Dowson-CURRENT ANTHROPOLOGY Volume 29, Number 2, April 1988- p 205.
[2] Shamans, Portals, and Water Babies: Southern Paiute Mirrored Landscapes in Southern Nevada-Kathleen Van Vlack, Richard Arnold , and Alannah Bell – https://doi.org/10.3390/arts14030056. p 1
[3] Of water and the spirit: ritual, magic, and initiation in the life of an African Shaman- Malidoma Patrice Some-Published by G. P. Putnam’s Sons- 1994- p 240.
[4] RAIN AND ROCK ART IN THE SAHARA: A POSSIBLE INTERPRETATION-Jitka Soukopova- Published 2020- p 80.
[5] ANTHROPOLOGICAL RECORDS 2:1 TUIBATULABAL ETHNOGRAPHY, BY ERMINIE W. VOEGELIN- UNIVERSVY OF CALIFORNIA PRESSBERKELEY, CALIFORNIA 1938 p 64.

1- وادي امها ©roundheadsahara

2- جبل تماو ©U.&B Hallier

3- جبل تماو ©U.&B Hallier

محمد عبدالله الترهوني
كاتب و باحث