
الخريطة أداة لتحديد الاتجاهات والأماكن والحدود. بنظرة واحدة إلى خريطة ليبيا يمكن أن ترى الصحراء كلها؛ الجبال والسهول والأودية. بنظرة واحدة يمكن أن ترى 1,760,000 كيلومترٍ مربّع. كلمة خريطة مشتقة من الكلمة اللاتينية charta التي تعني “الورق”. الخريطة مجرد ورقة، لكنها تعكس صدى عميقًا في نفوسنا عن الأرض التي نعيش فيها. يمكن أن تثير فينا مشاعر وأفكارًا وأحاسيس، ومن هذا المنطلق يمكن اعتبارها كائنًا ثقافيًا. لا أحد يسأل نفسه: هل الخريطة مطابقة تمامًا للأرض؟ هل خريطة ليبيا هي ليبيا فعلًا؟ الخريطة لا تكذب، ونحن نتنفس بعمق ونحن ننظر إلى تلك الخطوط التي ترسم الحدود، وإلى تلك الخطوط التي ترسم المسارات والشِّعاب في الأودية. الخريطة مكانٌ للترحال والسير إلى المجهول. إنها تكثّف علاقتنا بالمكان، وتدعونا لرؤية الأشياء وسماعها ولمسها وشمّها وتذوقها. ونحن ننظر إلى التضاريس على الخريطة، نفكر في أنها مساحة لا يمكن رؤيتها، لكن هذا لا يعني أن العلاقة معها ليست حميمة؛ إنها جزء من وطنٍ مُدرَك ومعروف ويتشكّل بسهولةٍ في قلوبنا. هناك جغرافيا أخرى، وخريطة أخرى يومية. عندما نولد نكون في النقطة صفر مكانيًا، ومع مرور الوقت يتم الاستيلاء على هذا المكان رمزيًا، ليصبح اسم المكان الذي وُلدت فيه جزءًا من هويتك. في الخريطة الكبيرة المكان هو ليبيا، وفي خريطة الحياة اليومية بالنسبة لي هو حيّ الصابري. في سن المراهقة كان الصابري هو العالم، وهو الإشعاع المركزي لحركة الذهاب والإياب. وكما في الخريطة الكبيرة، للحيّ حدود واضحة ومتّفق عليها، وترسم خطوط العداءات والصداقات: من جهة الغرب سوق حداش والوسعاية، ومن جهة الشرق الزريريغية، ومن الجنوب دكاكين حميد، ومن الشمال البحر. كان لدي إحساس بالمساحة خلقته هذه الحدود المرسومة بدقة. البحر وحده كان مساحة للترفيه، وتشترك فيه كل مناطق إقليم الصابري الصغير.
في الصابري نظامٌ جغرافي يتطابق مع الروتين اليومي لسكانه؛ إنه عالم صغير مكتفٍ بذاته ومعزول عن باقي المدينة. لا أحد يفكر في الخريطة الكبيرة إلا في الأعياد الوطنية. لا أحد يفكر في الانتقال من قارة إلى قارة، أو من مدينة إلى مدينة؛ فكل من في الحي تقريبًا اختاروا جغرافيا العزلة والتفاعل مع البيئة المتوفرة. كانت أشجار النخيل جزءًا من الحياة اليومية. هذه الأشجار عالقة في حالة جمود مكاني، والناس أيضًا عالقون في هذا الحيّ دون التفكير في البديل. ولم تكن حصة الجغرافيا في المدرسة تحفّز خيالنا على الذهاب إلى أي مكان؛ كانت مادة دراسية لا وجود فيها لما يحفّزنا على الحركة. كان خيالنا يتحرك في البعد الزمني لا المكاني؛ دائمًا كنا في كان يا ما كان، في قديم الزمان. الزمن يعود بنا إلى ذكرى سابقة في المكان نفسه. الخرائط لم تكن تُشعرنا بالغيرة ولا بالحزن؛ الذكريات وحدها كانت نقطة مرجعية وكثيفة. جغرافيا المدرسة كانت تتحدث عن تضاريس ليبيا، لا عن تكثيف الكينونة مع ليبيا. ولهذا كانت حصة الجغرافيا مرجعية لا ابتكارية، ولم تكن تلك الجغرافيا التي تكسر قيودنا ولا التي تثير خيالنا. لذلك كانت خريطة ليبيا معلّقة على الجدار، لكننا نغفل في كثير من الأحيان أنها خريطة بلادنا.

محمد عبدالله الترهوني
كاتب وباحث