
الفيل صانع المطر
مقال: الشامانية | محمد عبدالله الترهوني
بالنسبة لبليني الأكبر، الفيل حيوان مدلل، إذا أصغيت إليه جيدًا تكتشف أنه يحب الفيلة، وتشعر أنه قد نظر إليها يومًا ما وهي تقف تحت القمر الرمادي، وهي ترفرف أذنيها. كان بليني يقول في نفسه: هذا الأخدود الصغير الذي يسمى الأرض، لا يكفي ليستوعب هذه البراءة بحجمها الكبير. في كتابه التاريخ الطبيعي يقول بليني الأكبر عن الفيل: “لننتقل إلى بقية الحيوانات، ولنبدأ بتلك التي تعيش على اليابسة، أكبر حيوان بري هو الفيل، وهو الأقرب للإنسان في الذكاء: فهو يفهم طبيعة بيئته ويطيع الأوامر، ويتذكر الواجبات التي تعلمها، تسعده العاطفة وعلامات الشرف، بل وأكثر من ذلك، يمتلك الفيل فضائل نادرة حتى عند الإنسان نفسه، كالأمانة والحكمة والعدل، وكذلك احترام النجوم وتبجيل الشمس والقمر، تذكر السلطات أنه في غابات موريتانيا، عندما يظهر قمر جديد، تنزل قطعان الأفيال إلى نهر يسمى أميلو، وهناك تؤدي طقوس التطهير، ترش نفسها بالماء، وبعد ذلك تقدم احترامها للقمر، ثم تعود إلى الغابة وهي تدفع صغارها المنهكة”. في أدبيات الديانة الفيدية، وكما يقول ألكسندر فان دير جير في كتاب بعنوان: الحيوانات في الحجر: الثدييات الهندية المنحوتة عبر الزمن: “الفيل رمزًا للمطر، إندرا، إله المطر والرعد والحرب الفيدي، كان يمتطي فيله إيراواتا على السحب، إن العلاقة بين الماء والمطر والفيلة واضحة… إن ولع الفيلة بالاستحمام وقدرتها على استخدام خراطيمها لرش الماء يجعلها مرشحة مثالية لاستحمام الآلهة”.
عندما يدخل الشامان في جنوب إفريقيا إلى عالم الأرواح، يأخذ شكل نصف بشري ونصف حيواني، ولهذا نرى في الفن الصخري العديد من الشخصيات المجسمة في هيئة حيوان كامل، أو نصف حيوان ونصف بشري. وكانت أقوى الحيوانات في عالم الأرواح هي الأسد والفيل والعلند والنمر. كان الشامان يرتدي جلود هذه الحيوانات لأن قوة الحيوان تنتقل إليه. السهام هي رمز للقوة الروحية، ويتم حملها في كثير من الأحيان في شكل حزمة. إن أشكال الحيوانات والبشر المثقوبين بسهام متعددة لا ترمز إلى مشهد صيد، بل تشير إلى القوة الروحية الممنوحة لهم من خلال تلك السهام، وإطلاق السهام على حيوانات المطر لا يمثل صيدًا، بل هو إشارة إلى زيادة قوة المطر والتحكم فيه.
في جنوب إفريقيا سجل بليك ولويد قصصًا عن أناس من العرق القديم في الفترة التي كانت فيها الأفيال تعتبر بشرًا، وهذا العرق، من وجهة نظرهم، كان موجودًا على الأرض قبل شعب سان، لهذا لا نستغرب وجود لوحات تصور أشخاصًا برؤوس فيلة (شكل 1). في جبال سيدربيرغ تعد اللوحات التي فيها أشخاص برؤوس فيلة نادرة جدًا، موقعين فقط من أصل 300 فيها أشخاص برؤوس فيلة. في دراكنزبرغ هناك أيضًا موقعين لأشخاص برؤوس فيلة. يطلق أندرو باترسون على هذه الأشكال اسم “إلفانثروب”، وتعني فيل وإنسان (شكل 2). يرتبط الفيل بجلب المطر ورقصة النشوة، وفي الكثير من لوحات الفن الصخري يظهر الفيل مرتبطًا بجلب المطر.

شكل 1 – ©A.PATERSON, J.PARKINGTON

شكل 2 – © H. L. Pager 1975
في الفن الصخري الليبي يُعتبر حضور الفيل لافتًا للنظر، وخاصةً في المساك الذي تم تصوير الفيل فيه بكثافة كبيرة جدًا، لكن ما يهمنا هنا هو حضور الفيل من منظور شاماني، لأن الشامان له علاقة خاصة ببعض الحيوانات التي لديها علاقة بالمطر وتمتلك قوة خارقة للطبيعة. الفيل هو أحد هذه الحيوانات بسبب علاقته بالمطر والماء، ونتيجةً لهذه العلاقة يُصوَّر الفيل كشخص له خصائص حيوانية مثل رأس الفيل. وإذا كان شعب سان يصور الفيلة لأن البشر كانوا في الأصل فيلة ثم تحولوا إلى بشر، فربما مثل هذا الاعتقاد موجود في ليبيا في ما قبل التاريخ أيضًا، ففي (شكل 3) من وادي أدروه في مساك سطفت نجد شامان برأس فيل، لكن الأهم هو ما اكتشفناه أثناء بحثنا في وادي تاجنت، فقد عثرنا على جدارية فيها اثنان من الشامان برؤوس فيلة (شكل 4).

شكل 3 – يساراً رسم شفاء سالم, يميناً صورة ©Rüdiger Lutz

شكل 4 – رسم شفاء سالم
الوضعية تشير إلى أن هناك طقسًا يجري في تلك اللحظة، وأن هناك رقصةً يقوم بها الشامان أثناء إقامة الطقوس، وربما هناك جداريات تشبه هذه الجدارية في أماكن أخرى لم يتم العثور عليها بعد، ولا بد من التعمق في الأسطورة الخاصة بشعب سان التي تتعلق بالناس الأوائل، والنظر في علاقتها بليبيا والفن الصخري في ليبيا وجنوب إفريقيا، لأن التشابهات ليست بسيطة وتحتاج إلى دراسة وبحث كامل. في الأكاكوس، المنظور الشاماني للفيل والنظر إليه كحيوان مطر موجود ولا يختلف أبدًا عن جنوب إفريقيا، فنحن بصدد الحديث عن جدارية تظهر فيها كل عناصر الشامانية (شكل 5).

شكل 5 – رسم شفاء سالم
الجدارية من أنشال – الأكاكوس، ويظهر فيها فيل بشكل وخصائص جسدية غريبة، وهذا يرجع إلى أن الشامان في حالة وعي متغيرة ويرى الحيوانات بشكل وهيئة مختلفين عن الواقع. الشخصية التي أمام الفيل مباشرة هي الشامان الذي يقود الفيل إلى الأمام في الأراضي القاحلة المراد نزول المطر فيها. هناك شخصيتان على يمين ويسار الفيل تحملان أقواسًا، وهي رمز لقوة المطر والتحكم فيه. على اليمين نلاحظ وجود شق في الجدار ورسم حوله خيوط الماء، على الرغم من عدم وجود أي ترسبات قريبة من الشق، إلا أن هذه الشقوق هي مكان استدعاء أرواح المطر ودخولها وخروجها إلى عالمنا. بالقرب من الشق هناك بقع موجود مثلها في أقصى يسار الجدارية.
هذه البقع يقول لويس ويليامز عنها في مقال بعنوان: “اختبار تفسير حالة النشوة للفن الصخري في جنوب إفريقيا”: “البقع الحمراء تظهر في رقصة النشوة ومشاهد جلب المطر”. تحت خرطوم الفيل هناك شخصيات مطلية بالأحمر وتقوم بطقوس رقصة المطر. على اليسار نرى شخصيات بشرية قد أخذت شكلًا حيوانيًا، وهي في حالة قفز إلى الأمام. هذه الأشكال، أثناء إقامة الرقصة الكبرى أو رقصة المطر، ترمز إلى الاندماج مع حيوانات تمتلك قوة خارقة للطبيعة، ونجد مثالًا لوضعية هؤلاء الأشخاص في (شكل 6) من جنوب إفريقيا. على اليسار نجد جزءًا آخر من الاستعراض أثناء الرقص وإقامة الطقوس.

شكل 6 – ©G.BLUNDELL
لا بد أن نشير هنا إلى أن حالة الانتصاب التي نراها في الجدارية بكثافة تحيل إلى القوة وحالة النشوة. هناك شخصيتان أنثويتان على يمين ويسار الجدارية. هناك علاقة بين النساء والمطر (إخوا)، ويطلق عليهن أثناء الطقوس “زوجات المطر”. لا شك أن اللوحة شامانية وتقدم الفيل كأحد حيوانات المطر المهمة في الأكاكوس، أيضًا تحيل إلى رقصة النشوة وحالة الحصول على القوة الخارقة للطبيعة. لقد كان دين المطر في ما قبل التاريخ يقدم نفس الحلول لنفس المشاكل، وعلى رأسها الجفاف، في كل إفريقيا.

محمد عبدالله الترهوني
كاتب و باحث