
حفرة الماء
التفاعل العاطفي بين الإنسان والقلتة في ما قبل التاريخ
مقال: الاركيوشعرية، محمد عبدالله الترهوني
لقد بحث علم الآثار في نفق الأبدية، وبمرارة لا تطاق عن مخرج من الفهم التقليدي للموقع الأثري، وأيضًا هناك بحث جاد عن سردية جديدة تأخذ مكان السردية القديمة، التي يُقدمها علماء الآثار من البقايا المادية للماضي، خلال هذا البحث يجب الاهتمام بالأماكن الأثرية وليس البقايا المادية، في الأركيوشعرية التي اتخذناها كمنهج للتفسير؛ يأخذ المكان أهميته وحضوره، لأن المكان هو الذي يحتوي التجربة الإنسانية في ما قبل التاريخ، لا أحد يجادل بأن في المواقع الأثرية طاقة غامضة، وأن في المكان قوةٌ مشعة خاصة بالمعتقدات والطقوس، من تجربتي الخاصة لا يمكن إلا أن اتحدث عن هذه الطاقة الخاصة بالمكان الأثري، أحيانًا تشعر بصرير حاد في روحك بمجرد الدخول إلى كهف أو ملجئ، وفي أحيان أخرى يكون الشعور مبهمًا وفيه شيء من الرعب الخافت، ليس هناك خط فاصل في الأماكن الأثرية بين الدهشة والخوف، لا بد أن نفهم أن الوقوف في مكان أثري؛ يعني الصلة بتاريخ المكان ومن عاشوا فيه، وقوة هذه الصلة تعتمد على مدى قوة وضعف روحك في مواجهة الماضي البعيد، أيضًا ثقافتك الأثرية يمكن أن تزيد من وطأة الحزن وأنت جالس في أحد هذه الأماكن، الكثير من الناس يقومون بزيارة المواقع الأثرية بحثًا عن سهم حجري أو بقايا عظام بشرية، بل بحثًا عن تواصل مع ما في المكان من طاقة تتغنى بها الأحجار القديمة، هذه الأماكن تتألم، تئن، تضحك، وهذا ما تشعر به وهو يطوي وينفتح في داخل روحك وأنت في وسط كهف كان مسكون منذ الآلاف السنين، أكثر ما لفت نظري في الأماكن التي زرتها أو التي تعرفت عليها من خلال الصور هو وجود القلتة* في نفس المكان، وليس هذا في الفن الصخري الليبي وحده أو في إفريقيا، بل في جميع أنحاء العالم تكون القلتة عنصر موجود في كل مكان عاش فيه الإنسان فـي ما قبل التاريخ.
وسط مرتفعات ومنخفضات التضاريس يظهر الفضاء كحركة احتفالية مُتألقة، وإذا توقفت هذه الحركة يظهر المكان مثل عطش الأحلام لعدم الاكتمال، كان لدى الإنسان في ما قبل التاريخ أُلفة مع المحيط الذي يعيش فيه، لكن النقطة المركزية هي المأوى الذي يعيش فيه، فمن هذا المأوى أو المكان يرى معالم الفضاء من حوله ويُطلق عليها أسماءً معقدة لكنها رنانة، الفن الصخري يظهر وسط مثلث الأرض، السماء، الماء، هذا هو المكان الطبيعي وليس الثقافي الذي نفهمه من خلال تفسيراتنا للرموز، يصبح المكان ثقافيًا عندما يُرسم أو يُنقش على الجدران أو تُحفر قلتةٌ في الصخر داخل أو خارج المأوى، هناك ارتباط بين الماء والحجر رغم التناقض الواضح بينهما، الماء هو الحركة والصخور هي التوقف والثبات، لكن الصخور هي ما يحدد نقاط الماء وتوزيعها المكاني، إنسان ما قبل التاريخ عرف هذا الارتباط وحفر القلتة بالقرب من ينابيع الماء التي تحدد أماكن توفره على السطح، فهم إنسان ما قبل التاريخ حركة الماء لأنها مسألة حياة أو موت، والمعتقدات الدينية في كل أنحاء العالم مرتبطة بالمطر والماء بشكل عام، وفي فترات الجفاف القاسية اخترع إنسان ما قبل التاريخ أساطيره ورموزه حول المطر، هذه الأساطير والرموز تحولت إلى رسم ونقش على الجدران وحفر الصخور لخلق ما نطلق عليه اليوم اسم القلتة.
يتساءل الكثيرين؛ لماذا يرسم فنان ما قبل التاريخ على جدار معين ؟ وقد يتوفر في ذات الموقع جدار أفضل بالقرب منه! والإجابة أن الشقوق مهمة في الجدار فهي المكان الذي تدخل وتخرج منه الأرواح، أيضًا يتساءل البعض عن ارتباط الفن الصخري بوجود قلتة بالقرب منه (شكل 1)، لأن القلتة هي حفرة الماء التي ينطلق منها الشامان في رحلته إلى عوالم أخرى، وعندما يموت يسقط قلبه من السماء مثل نجم ليتحول إلى قلتة جديدة.

شكل 1
يقول لويس ويليامز: “غالبًا ما يعاني الشامان من الإحساس بالظلام والانقباض، وأحيانًا من ضيق في التنفس، يحاكي الدخول في حفرة حقيقة في الأرض.”، القلتة هي المكان الذي ينطلق منه الشامان إلى عوالم يواجه فيها أرواحًا وشامان غيرهُ، ويخوض معهم معارك من أجل جلب المطر وشفاء المرضى، لكن حتى وقبل أن أعرف كل هذه الأمور، لفت نظري أن القلتة ليست حفرة في الأرض فقط، لقد حفر إنسان ما قبل التاريخ القلتة في جدران الملاجئ في (شكل 2) من تاسيلي تظهر أمامنا القلتة المحفورة في الجدار وتحتها شخص، لا يمكن أن يكون الماء حقيقي بأي شكل من الأشكال وهو يهبط من هذه القلتة المحفورة في الصخر، لكن المرجح هو أنه تم حفر القلتة على شق كان ينزل منه الماء في الماضي، في وان أفودا – الأكاكوس (شكل 3) هناك قلتة مرسومة كدائرة في الصخر ويهبط منها الماء، أيضًا لا يبدو أن الماء حقيقي فهو مرسوم على الجدار مثل باقي الأشكال.

شكل 2 ©Jitka Soukopova

شكل 3 ©B.Fouilleux
في غروب – الأكاكوس (شكل 4) قلتة منحوتة في الصخر على شكل دوامة مائية، ولا يمكن أن يكون الماء قد نزل من هذه الجدارية المنقوشة على الصخر أيضًا، حتى في أقدم أشكال الفن الصخري في الأكاكوس (شكل 5) يظهر هذا الشخص المنقوش بشكل بدائي جدًا مكونًا بقدميه قلتة، والشخص الذي على يمينه هو أيضًا أسفل قدميه قلتة. في عفار – الأكاكوس (شكل 6) هناك قلتة منقوشة وتحتها شخص تحول جسده إلى قلتة وبجانبه حيوان مطر داخل القلتة، كل هذه الجداريات نُقشت في أماكن لا وجود للماء فيها، وإن كان هناك ماء في هذه الأماكن فلن ينزل إلا من شقوق في الجدار، وليس من قلتة محفورةٌ فيه، ولكن لماذا يتم نقش قلتة في مكان لن يجتمع فيه الماء؟

شكل 4 ©B.Fouilleux

شكل 4 ©شفاء سالم

شكل 6 ©شفاء سالم
في كل الفن الصخري الذي نُقش أو رسم من منظور شاماني هناك دائمًا حفرة ماء، الشامان في سيبيريا يدخل حفرة تعد مدخلاً إلى العالم الآخر كما يقول مرسيا إلياد، شامان الياكوت للوصول إلى العالم الآخر يدخل حفرة تركها سكان المناطق الجوفية، وكان زي الياكوت عليه رمز حفرة تسمى لديهم حفرة الأرواح، ويرافق الشامان طائر مائي (النورس) الذي يرمز إلى ماء القلتة، الشامان وكما يقول مايكل هارنر في كتابه “طريق الشامان”: “يتحدث الشامان عن الوصول إلى عالم الأرواح عبر حفرة”. القلتة هي العتبة والمنطقة الحدية بين عالم الروح وعالم المادة، فهي تمثل الكون الداخلي للأسرار التي يعرفها الشامان وحده، بعض البحاث يتحدثون عن سفر إلى عالم علوي وعالم سفلي، لكن من وجهة نظرنا لا وجود لعالم سفلي ورحلة الشامان هي دائمًا إلى عالم علوي، لأن الشامان بعد النزول في حفرة الماء والسير في الشبكة التي تتحول إلى ممر ضيق، يجد نفسه مجبرًا على اختيار وتسلق أحد خيوط النور التي تصعد إلى بيت الماء، نحن هنا نتحدث عن الشامان الذي يصعد لجلب المطر في (شكل 7) من مقال لـ وودهاوس نجد هذا الخيط الذي يصعد به الشامان إلى العالم العلوي (نلاحظ الشامان المستلقي في الأسفل وقد صعدت روحه إلى الأعلى)، يقول مايكل هارنر في نفس الكتاب:
“روى شامان من قبيلة إكونغ بوشمان في صحراء كالاهاري في جنوب إفريقيا: يا صديقي، هذه هي طبيعة القوة، عندما يغني الناس. أرقص. أدخل الأرض. أدخل من مكان يشبه المكان الذي يشرب منه الناس، من حفرة الماء. أسافر مسافة طويلة جدًا، بعيدة جدًا”
القلتة مكان مقدس والماء فيها هو ماء الإله، ولا تقام الطقوس إلا بجانب هذه الحفرة المقدسة، إحدى أهم الطرق لفهم معنى وتفسير الفن الصخري هي: التسليم بأن العالم الطبيعي يلهم الاستعارات والرموز المستخدمة في الفن الصخري، القلتة هي رمز التوسط بين عالم واقعي وعالم خارق للطبيعة، الشامانية هي ديناميكية معقدة للوقوف في وجه الجفاف الذي يتوسع منذ ألاف السنين. شامان المطر عندما تقترب الغيوم يصعد فوق صخرة عالية، ويرفع رأسه في اتجاه الريح التي تدفع الغيوم نحوه ويقف بلا حراك، ثم يدخل إلى حفرة الماء ويذهب لجلب المطر، سلوكه يشبه تمامًا سلوك السحلية التي تعيش تحت الأرض لكنها تخرج وتقف بلا حراك عندما تشعر بقدوم المطر، وهي أيضًا تعيش في حفرة ويغمرها الماء وتخرج خوفًا من الغرق، تقول عنها جانيت ديكون: السحلية تشبه الشامان من ناحيتين، فهي تبدو ميته وهي ليست كذلك، وتعرف متى سيهطل المطر.

شكل 7 ©woodhouse
في المشهد الطبيعي الجاف بشكل استثنائي تظهر القلتة كحل خارق للطبيعة، الغريب والاستثنائي أيضًا أن القلتة يُفترض أن تكون خارج المأوى ليجتمع فيها ماء المطر، لكن في كثير من الأحيان نجد القلتة داخل المأوى وقريبة من الجدار المرسوم أو المنقوش عليه، كمثال على ذلك القلتة من تنشالت (شكل 8) فهي قريبة جدًا من الجدار داخل المأوى، أيضًا في (شكل 9) من وان موهجاج هي أيضًا قريبة من الجدار داخل المأوى، وفي عين فردان (شكل 10) حُفرت أكثر من قلتة تحت سقف المأوى مباشرةً، هذا النوع من القلتة مكان مقدس ينقل الشامان من مكان إلى آخر، إذا كان الوصول إلى عالم الأرواح يتم عبر ثقب هو القلتة، فإن وصول الأرواح إلى عالمنا يتم عبر الشقوق في الجدران، إن حالة الذهاب والإياب تحتاج إلى أن تكون القلتة بجانب شقوق الجدران، هذه الشقوق يتسرب منها الماء ويهبط في اتجاه القلتة التي عادةً ما تُحفر تحته مباشرةً، وعادة ما نجد جداريات الفن الصخري موجودة حول هذه الشقوق، لقد جعل الجفاف إنسان ما قبل التاريخ خبيرًا في العلامات التي تدل على وجود الماء، وقد استخدموا طبيعة الأرض والحيوانات والنمل وغيرها لمعرفة مكان الماء، ولا بد أن نعرف أن جغرافيا حفر الماء وأماكن وجودها مقدسة، ولا يمكن حفر حُفرة ماء دون القيام بالطقوس اللازمة وقبلها يجب أن يكون هناك حلم يراه الشامان له علاقة بالماء.

شكل 8 ©Jitka Soukopova

شكل 9 ©Jitka Soukopova

شكل 10 ©Jitka Soukopova
“بالنسبة لشعب سان في جنوب إفريقيا إحدى أهم الممارسات الجنائزية؛ هي وضع حجر مثقوب على فخذ الرجل اليمنى، ويحتوي أحد طرفي الثقب الذي يشبه النفق على كتلة من نبات الراتنج الذي يستخدم كمادة لاصقة، وداخل الثقب وجدت سلسلة متصلة من فقرات سمكة، تفسر بقايا الأسماك على أنها مرتبطة باستعارة الغيبوبة حيث يُسافر الشامان تحت الماء، إذ يمكن اعتبار الحجر استعارة للثقب المائي الذي كان الشامان يسافر عبره إلى عالم الأروح”، هذا كلام لومبارد م. في مقال بعنوان: “الأحجار المثقوبة، والحلقات الحجرية، ومفهوم الثقوب في شامانية السان”، الحجر في (شكل 11) وجد مدفونًا أسفل حجر طحن على تل ميلورا، لو ذهبنا إلى الأكاكوس وتحديدًا إلى مأوى تاكاركوري الذي تحدث عنه دي ليرينا وأخرون في مقال بعنوان: “اللون في سياقه، أصباغ وبقايا ملونة أخرى من موقع تاكاركوري (جنوب غرب ليبيا) الذي يعود للعصر الهولوسيني المبكر والمتوسط”، وقد ذُكر في هذا المقال “أن الموقع قد تم استخدامه كمقبرة إلى عام 6400 قبل الميلاد” وقد وجد دي ليرينا ومن معه زوج من الحجارة المثقوبة (شكل 12) لكنهم كانوا بعيدين عن تفسير سبب وجودها مدفونة في أرض المأوى، وعن أن اللون الأحمر الذي يلطخ الحجارة وبقايا العظام في المدفن هو لون الخارق للطبيعة.

شكل 11 Fig.(Parrinder 1971)

شكل 12 Photo by ©S. Giovannetti
كانت الحفر والتجاويف والملاجئ الصخرية مدخل إلى عالم الأرواح، وحفرها في الصخر هو بمثابة التضرع من أجل الحصول على المطر، والقيام بحفر حفرة في صخرة على الأرض أو في الجدار هو رمز مرادف لمنظور الشامان للعالم، كان الشامان نفسه من يحفر هذه الحفر الصغيرة في الصخور والجدران، يقول لومبارد م. في المقال السابق: “الحفرة إنها حفرة ماء مقدسة، في الأسفل تمامًا، بجانب الماء، يوجد صفين من الثقوب الصغيرة، قام الشامان هيسوب بحفرها”، هذه الجدران المثقوبة موجودة في كل الصحراء الليبية وهذه بعض الأمثلة على وجودها، (شكل 13) من عين فردان –الأكاكوس (شكل 14 و 15) من المساك، ونلاحظ وجود هذه الثقوب دائمًا قرب حيوان المطر وكمثال على ذلك (شكل 16) من الأكاكوس، (شكل 17) ثور مطر من المساك، (شكل 18) وحيد قرن وهو حيوان مطر مُغطى بالحفر.
* القلتة هي النقرة في الجبل أو الصخور التي يستنقع فيها ماء المطر والسيول، حجم القلتة ومدة بقاء الماء فيها يرتبطان بالمكان والظروف، وقد يستمر بقاء الماء فيها على مدار السنة حتى خلال موسم الجفاف إذا غذاها مصدر مثل الينابيع.

شكل 13

شكل 14 ©JEAN-LOÏC LE QUELLEC

شكل15 © LE QUELLEC

شكل 16 ©B.Fouilleux

شكل 17 ©JEAN-LOÏC LE QUELLEC

محمد عبدالله الترهوني
كاتب و باحث