
الجغرافيا الشعرية
الأرض باعتبارها مجالاً للعاطفة
مقال: جيوبواتيك، محمد عبدالله الترهوني
الأرض هذا الجيب المنسي في معطف حياتنا اليومية، نحن دائمًا في انتقال على وشك الحدوث، من البيت إلى الشارع، من الشارع إلى المكتب، ومن المكتب إلى المقهى، كأن كل هذه الانتقالات اليومية لا تحدث على الأرض، بل في خيالنا فقط، كأن الجغرافيـا لا علاقة لها بالأمر من قريب أو بعيد. ربما لأن الأرض لا تقدم نفسها هنا كمساحة غامضة، ولهذا هي ليست مصدر قلقٍ أو دعوةٍ للتفكير. هذه العلاقة بالأرض ليست روحية، إنها مجرد دوران أُفقي تتولى الذاكرة أمرهُ بعناية. الأرض في هذا الدوران الأفقي اللانهائي مجرد شبح أنيق موجود خلف اللحظة مباشرةً.
أجلس أنا والشاعر حمزة الفلاح مثل فكرة مهجورة كل صباح في مقهى إسبريسو، ولم يخطر ببالي أبدًا أن البحر قد يمر أمامي كفكرة غير متوقعة، إنه هناك ينسخ نفسه المرة بعد المرة ويعيد تشكيل نفسه في كل لحظة، إن علاقتنا مع اليابسة الأنانية بشكل مفرط في بشاعته، لن تمر في شكل هضبةٍ كانت تفترض مسبقًا الجلوس معنا في نفس الطاولة، لقد منعتها حدود الخريطة التي تعتبرها جزء من الحركة.
حمزة يكره المدينة بشكل عدائي، ويبحثُ كبدوي عن نقطة بيضاء لم تطأها قدمٌ من قبل، هذه النقطة تعيش في قلبه كجرح أو حجاب بينه وبين بنغازي، كنت أراقبه ونحن نجتاز الوادي في طريقنا إلى ملجئ بوتمسا، كان ينظر إلى الأحجار البيضاء في قاع الوادي كتعريف ضد الجمود العقيم، ويفكر في الماء الذي قام بدحرجتها على طول الوادي كفعل شعري، ينظر إلى شجرة تم اقتلاعها ورميها في وسط الوادي، وهو وحاول ألا يبكي من فرط وحدتها. مشينا باحثين عن شعبة تأخذنا إلى الأعلى، وقد تعلمنا الصمت من الحجارة، صعدنا إلى الأعلى وتوقف قليلاً لينظر إلى ماء البحر الحزين، رائحة الساحل كانت تحمل معها صورة الوطن الشفاف، في كل يوم كنا نصعد فيه إلى الجبل كانت المدينة تنسحب من روحه وكأن في عروقه دمُّ حيوان شرس يعض آخر ما تبقى من طاولة المقهى في شارع البيبسي.
خلفنا كان كلب الراعي ينبح بجنون وحقد خالي من كل لباقة، النباح هو نفس الشيء، دائمًا نفس الشيء، صورة للوهم في الفراغ، لكن وجود الكلب وصوت خوار الأبقار لشحذ حواف الصمت فقط. رفع حمزة قنينة الماء وأخذ رشفة منها، ثم نظر إلى الأعلى مثل طائر يتمنى العودة إلى عشه في قمة الجبل. كانت الجغرافيا القديمة مثل وجه من العظام البيضاء التي تخفي العالم، لكن هنا في الوادي، في الصعود والهبوط، وفي المسارات اللانهائية، ــ الجغرافيا نفسها تنجذب لشعرية العيون الساكنة في قلب المشهد. كنا نصعد وكهف هوا فطيح قد أصبح خلفنا مثل عينة من هذه الشعرية التي لا تشبع من الهواء والشمس، في هوا فطيح الذي كنا فيه بالأمس كان حمزة يجري خلف متعة النغمة البدائية للإنسان، كأن هذا الكهف هو رحم العالم الذي عاد إليه شاعرٌ بصقته المدينة لينتظر ميلاده الوحشي، أما أن فقد نظرت إليه كثقب كبير خرجت منه ضحكة العالم الأولى.
يقال أن أسلافنا خرجوا من الغابة وتقدموا نحو السافانا، وهناك رأوا ولأول مرة الأرض ممتدة إلى ما لانهاية وهي تلمس السماء بعذوبة، كان عليهم رؤية السماء الشاسعة فوق رؤوسهم والأفق في نهاية نظرتهم الدافئة، كان عليهم فعل ذلك ليكونوا شعراء وكتاب وفنانين. حمزة وهو على الطريق السريع كل يوم في طريقه إلى مقهى إسبريسو يترك جرحه على جانب الطريق المزدحم، ويفكر في الصباح وهو يركض بحوافره الطرية فوق الجبل الأخضر، صور الكهوف والملاجئ تزحف تحت جلده، وهو يتذكر اللون الرمادي لبيوت بلا طلاء، وخطوط الكهرباء السوداء مثل قدر لا نهاية له، وشجرة خرقاء وممزقة لكن الريح لم تكسرها تقف على زاوية كوب القهوة، في كل مرة ونحن في طريقنا إلى المقهى أشعر أننا في طريقنا للسقوط مرة أخرى في هوة الرماد.

محمد عبدالله الترهوني
كاتب و باحث