أنثروبـــولـــوجيتنـــا البـــريــــئة

مقال: أنثروبولوجيا | حمزة الفلاح، 2026

حينما كنتُ طالبًا جامعيًا، لم تكن الأنثروبولوجيا تعدني بالكثير، أو على الأقل بالتفكير فيها كتخصص إلى جانب تخصصي علم الاجتماع، وذلك بسبب غيابها عن الجامعات الليبية. فقط مقدمة عامة حولها وبعض الملخصات التي كنت لا أحرّكها من مكانها إلا عند الذهاب إلى محاضرة منتصف الأسبوع، وحتى بعد أن تحصلتُ على درجة الليسانس في علم الاجتماع، لم أسعَ وراء اكتشافها، أو حتى وراء الكتابة في التاريخ. كنتُ في تلك الفترة مأخوذًا بفكرة التقدم في مسيرتي الأكاديمية إلى الدراسات العليا، والركون إلى حلم وظيفي لخريج متفوق من أجل البقاء معيدًا في القسم. وقد كان كل هذا قبل التعرّف على عفوية جيل دولوز، ومداريات كلود ليفي شتراوس، وشرايين إدوارد غاليانو، وشعرية نيكولاس بوفييه، وتمرد مارغريت ميد، وأخيرًا قبل لقاء الكاتب محمد عبدالله الترهوني، والفنانة التشكيلية شفاء سالم.

هذا اللقاء الذي كنتُ دائمًا ما أصفه بلقاء الجماعة الغامضة لموريس بلانشو. كان لقاءً أشبه بغابة من أحلام اليقظة، والسعي المأزوم بهوس الكمال، والإحساس بضرورة إيجاد اللوحة المضادة، والنص المضاد لمواجهة تعنّت المؤسسة الأكاديمية التي تعاني من فراغ الشعور الدائم إلى الحاجة العاطفية للكتابة حول موضوع ما، ومركزية تراكم بحوث العلوم الإنسانية الجافة في جامعتنا. وأين يمكن لثلاثة مولعين بحسناء اسمها ليبيا، وأي أراض جديرة بالرحيل إليها لتحمل خصوبة إرثها القديم سوى الفن ــ هذه الأرض التي تسللت عبرها الأنثروبولوجيا من قلق المعرفة ونقصان ما نرغب في قوله على الدوام؛ تسلّل ناعم كان مثل موجة وديعة على شاطئ الصابري، تمتصها رمال الحنين الرطبة. وعبر كل تلك المقاطع القصيرة لنيكولاس بوفييه، التي كانت تومض في السماء عندما يلقيها الترهوني مثل شاعر منسي في المقهى. كان الترهوني نجمًا وحيدًا يحترق من السقوط في غيبوبة هذه الكلمات، دون أوراق ولا كتب صغيرة للتدوين من شأنها أن تُثقل كاهل جلساتنا تلك ــ فقط القهوة، والسجائر، وتصورات بوفييه عن ذوبان العالم في روائح الخضروات والزيوت، وعطر الأزهار، والطرقات السائلة من الخيال. ولأن الجلوس لم يكن يكفينا، كانت تلك الفترة مليئة بأرق شفاء الطويل من أجل إطلاق معرضها الشخصي الأول «أنا ليبيا» ــ شفاء تلك الفنانة التي حوّلت ملحمتها السردية عن التاريخ داخل مرسمها، الذي يغصّ بأسطل الألوان، وقطع الكانفس، والفرش المكسورة، إلى كثير من العمل لمجابهة نساخ المراسم التجارية الخالية من الفكرة. هناك، قرب شرفة عارية بلا ستائر تقتحمها الشمس لتدفئة برودة المرسم شتاءً، اخترعت أنثروبولوجيا الألوان التي تخصنا في لوحاتها ــ أنثروبولوجيا تضج بالريش الأبيض لزعماء مجهولين، وبجلود الماعز الطازجة، والحُليّ اللامعة من شدة الحزن، والأربطة على أذرع الأمازونات، والوشوم اليانعة على أكتاف الأسلاف. ولأننا كنا لأشهر طويلة متواصلة لا تخلو من العمل، كان لا بد للنص أن يحاكي قلق الفنانة من وعد سري له رائحة الطين لليبيا، كما كنا نتخيلها في المقهى ــ وعد كانت قد قطعته على نفسها بضرورة إظهار هذه الشعرية الأنثروبولوجية بفرشاتها للعالم. ومثلما اتفق، كان هذا المعرض الشرارة الأولى للمضي قدمًا، إلا أن كل هذه الأحلام لم تكن تخلو من التخبط وألم مواصلة العيش. كانت شفاء، المعمارية، قد التحقت للتدريس وانسلخت دون ضجيج مبتعدةً عن قوقعتها بعد تخرجها من الجامعة، وكان الترهوني لا يتوقف عن قطع شوارع بنغازي للبحث عن شاحنة للإيجار من أجل نقل أثاث منزله في كل حالة نزوح جديدة من شقة إلى أخرى، حاملًا على كتفيه حجر سيزيف للصعود بهذا المشروع جبلًا من ضغوطات تراكم سنوات رمادية خالية من أي مناخ فني داخل المدينة ــ مناخ كنا نجتهد لصناعته بعيدًا عن فوضى الالتزامات الاجتماعية، وقلة الموارد المالية، والانخراط الطويل في دوامة الوظائف الحكومية، وتمامًا كانت تلك الفترة فترة التنقل والاضطراب من أجل استمرار المشروع والعمل في مناخ الكتابة والرسم. كان القليل من راتب الترهوني يصلنا، والقليل من والدي، الذي كان يؤمن بحبّ أنني أفعل ما يتوجب عليّ فعله لأشعر أنني لا زلت حيًا، على الأقل، وسط ركام مدينة كانت قد خرجت منذ بضع سنوات من عبثية الحرب.

بعيدًا عن التوصيفات المحايدة، من أجل الاقتراب إلى سرديات تعبر عن ماضينا، ظل شغفنا الشعري بأنثروبولوجيا ليبية طريقنا الوحيد ــ شغفٌ مشبعٌ بالقلق والافتتان بعالم آخر ــ ذاك العالم الهامشي الذي تتموضع فيه رومانسية الكتابة عن ليبيا ما قبل التاريخ، كتابة يدفعها الحنين إلى ولوج مناطق التخصصات المختلفة. وهذا المشروع كان عملًا واعيًا تحركه الحاجة للكتابة ضد كل أشكال المركزية العرقية في البحوث الغربية، والأصوات التي لا تعبر عنا، والعنصرية التي تنتج فقدان الذاكرة كما يخبرنا إدوارد غاليانو. وهذه الأنثروبولوجيا عبّر عنها الترهوني مباشرةً في شعرية الأوديسة الليبية ــ شعرية الدين الليبي، وطقوس الصحراء، وصناعة المطر، وتأثير أزمة المناخ ثقافيًا على تصورات الإنسان الليبي القديم، الذي دُفع من تادرارت الأكاكوس إلى الهجرة من أجل العثور على نبوءة الماء. وهذا ما يتفق مع أهمية الأنثروبولوجيا اليوم من أجل تصحيح المسار، ومع إنسانية تقاسم البقاء في زمن كانت النجاة فيه أمرًا مستحيلًا. فكما تخبرنا الباحثة فرانسس باين حول تلك الأهمية: «بأنها تكمن في توضيح سوء الفهم والالتباس بين الناس في كل مكان، وتصحيح التفسيرات الخاطئة المنتشرة في جميع أنحاء العالم»1. ولعل هذه الرؤية هي جوهر الأنثروبولوجيا التي لا تعدنا بمعرفة الآخر فحسب، بل بفهم طبيعة تجربته الثقافية وعلاقته بالبيئة، من أجل ترجمتها إلى أفكار تنقصنا نحن لا هم، وأعمال فنية مستلهمة نشعر بحاجتها لتعيد التوازن مع ما هو مفقود اليوم في عصرنا، كما يشير الأنثروبولوجي الأمريكي بول ستولر إلى ذاك التوازن وتعريفه بالحكمة السرية التي تمنحها لنا دراسة الأنثروبولوجيا للثقافات المحلية قائلًا:

أثناء عملي الميداني، ذات صباح، أيقظني أستاذي آدم تونغو وقال لي: «لدي شيء مهم لأخبرك به». نهضت وذهبنا، فقال: «اذهب إلى جانب كوخ روحي، سنجلس على الحصيرة المصنوعة من القش». ثم جلسنا وشربنا بعض الشاي. نظر إلى البرية وقال: «كما تعلم، الأمور ليست على ما يرام اليوم». فقلت: «لماذا؟» قال: «لا يوجد احترام للبرية، وللأحراش، والناس في المدينة لا يحترمون بعضهم بعضًا، وعندما يكون هناك هذا الاستهتار، فإن الأمور تسوء. فإذا لم تحترم الأحراش فستواجه الجفاف، والحشرات، ولن تحصد المحاصيل. وإذا لم يكن هناك احترام متبادل، فسيحدث خلل يخلق أنواعًا مختلفة من الصراعات». ثم أضاف: «هذه مهمتي، وعليك أن تنصت إلى هذا جيدًا. وظيفتي هي أن أقدّم قرابين لتحقيق التوازن بسبب الخلل الناجم عن عدم احترامنا للطبيعة2».

يمكنني الشعور تمامًا بهذه الحكمة التي يخبرنا بها الباحث بول ستولر في قصته مع مرشده الروحي، عند لقائنا بأول متعلق بالأرض في أودية سوكنة. فقد كانت رحلتنا إلى الجبال السوداء، وعبور كل تلك الشعاب التي تسلقناها سويًا، يعيد في داخلنا هذا النوع من التوازن مع الأرض والمنظر الطبيعي، وسط بيئة من أحجار البازلت التي لا يمكنك معها للوهلة الأولى الشعور بأي تعاطف أو حب سوى الألم من قسوة تجاوز انفجارها الصامت على امتداد الأفق. إلا أننا أثناء العمل الميداني بين المواقع المختلفة، كنا نشعر بحنين كل هؤلاء المتعلقين بالأرض (إمحمد وعبد اللطيف ومحمود، ويوسف)، وهم يقطعون المسافات البعيدة وسط الغروب بحثًا عن نقوش صخرية تساعدنا على إجراء مقارنات لتعميق بحثنا. فهذا الحنين لم يكن دافعه أبدًا مساعدة كُتاب يرغبون في الكتابة، أو مجرد رحلة استكشافية لتحقيق اكتشاف علمي، بل كان حكمة أنثروبولوجية تخص تاريخنا وتعي ثمن الشعرية الباهض من الوقوف على تخوم المعرفة لإنقاذ التعاطف دون تماهٍ في عالم يستهلك كل شيء ــ حكمة تكمن في الإنصات البطيء لمعنى أن تعشق واديًا أو حجرًا أو طائرًا، أو شجرة وحيدة تقاوم الموت، تمامًا كالمتعلق ونظرته العاشقة إلى كل مأوى صغير، وقبر، كل ملجأ، ونبات شافي يساعده على احتمال العطش الروحي من أجل مقاومة الاختزال دفاعًا عن التعدد دون تفرقة بين ما هو إبداعي أو علمي، لأنه لا يرى في هويته سوى سلوك إنساني لتوحيد الأرض دون حدود، وهذا ما نود أن تُبنى على أساسه أنثروبولوجيتنا البريئة.

1  Kirsten Hastrup, Michael Herzfeld, Paul Stoller, and Frances Pine, Why do anthropology today? (podcast, recorded in Warsaw, June 2025)

2  Paul Stoller, Why do anthropology today?