بعض أوجه التشابه بين الفن الصخري في ليبيا وجنوب إفريقيا

مقال: الشامانية | محمد عبدالله الترهوني، 2026

هناك شعور لدى الباحثين بأنّ هناك ارتباطًا بين جداريات الفن الصخري في كل مكان في العالم، لكن هذه التشابهات الموجودة في الفن الصخري، التي تدعم فرضية الارتباط الشامل للفن الصخري، لا تقدّم نفسها بسهولة. بعض الباحثين يعتقدون أنّ هناك تأثيرات محتملة من منطقة إلى أخرى، أيضًا هناك من يقول بأنّ أوجه التشابه موجودة، لكن التطابق الشامل لا وجود له بأي حال من الأحوال. ومع ذلك، هناك تعبير تصويري يستخدم نفس الأسلوب في مناطق بعيدة جدًا عن بعضها البعض، بل إنّ بعض الجداريات تكاد تكون متطابقة في بعض الأحيان. هل هذا التطابق في التعبير التصويري نتيجة تأثير ثقافي؟ هل الأساس في هذا التطابق هو وحدة الدين في ما قبل التاريخ؟ هل هذه الأعمال المتشابهة تمثّل تقليدًا تعبيريًا طويل الأمد وموغلًا في التاريخ؟

نحن أمام أسئلة لا يمكن الإجابة عنها بسهولة، ولا يمكن الحديث عنها بيقين تام. أيضًا، نحن لا نقول بأنّ هناك ثقافة واحدة في ما قبل التاريخ، وهذا أدّى إلى سلسلة من التشابهات في الفن الصخري، لكن يمكن القول إنّ هناك دينًا واحدًا في ما قبل التاريخ أدّى إلى وجود تعبيرات تصويرية متشابهة عن طقوسه. وكمثال على ذلك، التشابهات التي تصل في بعض الأحيان إلى التطابق بين الفن الصخري في ليبيا وجنوب إفريقيا. سوف أقوم هنا بطرح بعض الأمثلة التي تدعم وجهة نظرنا حول الموضوع.

في مقالٍ لعالم الآثار توماس أ. داوسون بعنوان: «النقاط والشرطات: فكّ شفرة الانعكاسات البصرية الداخلية في لوحات البوشمان»، نجد في (شكل 1) مكتوبًا تحت اللوحة: ثلاثة شخصيات في شكلٍ حيواني، ويرتدون ملابس تغطّي الجسد بالكامل. هذه الشخصيات، بحسب داوسون، هي كائنات هجينة بين الإنسان والحيوان، وليست بشرية بالكامل. هذا المزيج من السمات البشرية والحيوانية يُفسَّر بمعتقدات البوشمان في إطار تجربة النشوة أو الغيبوبة. الشامان، عندما يتواصل مع عالم الأرواح، يختبر تحوّلًا إلى الحيوان الذي يسخّر قدرته الخارقة. هذه الكائنات الهجينة هي نتيجة حالة وعي متغيّرة، وعادةً ما تظهر على خلفية أشكال هندسية هي الشبكات، والخطوط المتعرّجة، والمنحنيات المتداخلة.

في (شكل 2)، وهو لوحة من تين برسولا في عفار جنوب الأكاكوس، نجد نفس الأشكال في (شكل 1)، وهي أيضًا نتيجة حالة وعي متغيّرة. وإذا وضعنا الشخص الذي على اليسار في مقال داوسون جانب الشخص الذي على اليمين في لوحة تين برسولا، فإننا، ولا شك، نلاحظ تشابهًا قد يصل إلى التطابق بين الشخصين. أمّا الشخص على اليمين في لوحة داوسون فهو قريبٌ جدًا من الشخص على اليسار في لوحة تين برسولا. ومع غياب المنظور الشاماني للفن الصخري في ليبيا، لم أجد أي تعليق على هذه الشخصيات. إنّ مثل هذا التشابه يطرح العديد من الأسئلة، أهمّها:

هل كان الوصف كافيًا لتفسير جداريات الفن الصخري الليبي؟

 

كيف يمكن تفسير هذا التشابه بين اللوحتين، إذا لم يكن لدينا دين بدائي موجود أثره في كل القارات منذ العصر الحجري القديم الأعلى؟

 

 أليس هذه الوقت المناسب لإعادة النظر في التفسيرات السابقة للفن الصخري الليبي، وباستخدام منهج شعرية التفسير، الذي من دونه لن نخرج من دائرة الكلام الوصفي الذي يُقرأ على أساس أنه تفسيرات.

مثالٌ آخر على هذا التشابه بين الفن الصخري في ليبيا وجنوب إفريقيا: في (شكل 3) من المساك، هناك أمامنا شخصٌ هجين بين الإنسان والحيوان. هذا الشخص برأس ابن آوى، ويحمل على كتفيه ثورًا مستسلمًا تمامًا. في (شكل 4) أيضًا من المساك، شخصٌ برأس ابن آوى ويحمل ثورًا، وهو مبتسم وفي غاية السعادة. وعن (شكلَي 3–4) يقول جان لوي لوكليك في مقالٍ بعنوان: «لا هم بشر ولا هم حيوانات، المتحوّلون، هل هذا الموضوع يستحق التأمّل؟

»بما أنّه لا يمكن لأيّ إنسان، مُقنَّعًا كان أو لا، أن يقوم بهذا العمل، فإنّ هذا الكائن خارقٌ للطبيعة«.

وفي وادي تين شاروما، هناك صورةٌ لـ ف. بوتييه يظهر فيها ابنُ آوى يحمل وحيدَ القرن، ويبدو هذا الأخير مثل لعبةٍ بين يديه. في (شكل 5) يظهر أمامنا شخصٌ يحمل أيلند (العلند) على ظهره، ويقول بيتر جولي، كاتب مقال: «الكائنات المتحوّلة إلى حيوانات في الفن الصخري لشعب سان»، إنّ هذا الشخص في طور التحوّل إلى أيلند. التحوّل إلى حيوان يعني التحكّم في حالة النشوة والسيطرة على الحيوان المساعد. لحظة التحوّل إلى حيوان هي لحظة اكتساب القوّة الخارقة. كان الشامان يلاحظ التغييرات الجسدية لبعض الحيوانات، ونظر إلى هذا التحوّل كنوعٍ من القوّة والسحر، ولكي يصل هو إلى هذه القوّة اخترع تقنية حالة الوعي المتغيّرة للوصول إليها.

لا شكّ أنّ الشامانية، ومن خلال التشابهات، تمثّل ظاهرةً عالمية عابرة للثقافات، وعدم دراسة الفن الصخري الليبي دون أخذ المنظور الشاماني في الاعتبار يعني عدم وضعه في سياقه الصحيح، وكلّ التفسيرات ستكون مجرّد وصف لا يقدّم ولا يؤخّر.