الجيوبويتيكس وإنشاء الذات

مقال: الجيوبويتيك ، حمزة الفلاح

إن الإصغاء إلى الأرض فنٌّ يمارسه المشّاء بفعل الحركة المتدفقة؛ تلك الحركة الساخنة والسائلة للروح التي تعيد صياغة ارتباطها بالأمكنة. إنها شعرية الاتصال التي تقفز وراء مادية الجسد والحدود الجغرافية؛ قفزةٌ تصنعها كلماتٌ لا تتوقف، مثل خطوات المتعلّق بالأرض في كل رقعةٍ يستكشفها. أمام هذه الخطوات الدؤوبة تقف جغرافيا المؤسسات حائرةً وسط جدرانها، وعاجزةً في فضاء المشّاء بوصفه تجربةً غنيةً شعوريًا وثقافيًا. حول عناصر الطبيعة في مساحات العشب لسواحل أرجايل شمال غرب اسكتلندا، حيث الخشونة والبرودة الهائجة للبحر، وصخور الغرانيت الحادّة، والمناخ الممطر، والضوء المتقلب للطبيعة الأطلسية، نشأت حساسيةُ كينيث وايت التي خرجت من فم الريح والماء والحجر؛ الشاعرِ والأكاديمي الذي رأى «الجمال في كل مكان، حتى في البيئة الأكثر بشاعةً وعدائيةً في مُنعطف كل زاوية». ولم يمنعه إنشاءُ الذات وعودتُها إلى المنظر الطبيعي من الترحال المنهجي الواعي، وهو الذي قال: «للوصول إلى الفكر الحقيقي، يجب أن نخرج من الغرفة ونمشي في الهواء المفتوح».

إنه هواءُ الجيوبويتيكس النقي، المصاغ عبر حساسية اللغة وطرائق العيش؛ حول الجبال والأنهار والسهول والوديان. هواءٌ يمرّ من اختزال المكان في الخطوط والقياسات من أجل العبور إلى البعد الشعري والوجودي لكلّ متأملٍ يقوده إيقاعُ الحنين إلى التراب كبوصلةٍ للرؤية؛ لا مرورًا محايدًا، بل أثرًا من قطع الذاكرة المهملة. بين المعرفة والانفعال، والمشي والتفكير، والنص والطبيعة، تكون الرغبةُ أعمقَ من مجرد تعريف الجغرافيا الشعرية: «رغبةٌ في الحياة والعالم، وعلى القوة الدافعة. إن المشروع الجغرافي الشعري ليس تنوعًا ثقافيًا آخر، ولا مدرسةً أدبية، ولا الشعرَ بشكل عام كفنٍّ حميم. إنها حركة تُعنى بالطريقة التي يُرسّخ بها الإنسان وجوده على الأرض؛ ولا يتعلق الأمر بإجراء نظام، بل بإجراء استكشافٍ وتقصٍّ تدريجي يضع نفسه، من حيث نقطة الانطلاق، في مكانٍ ما بين الشعر والفلسفة والعلم»[1].

بواسطة هذا النص يلتفت إلينا الفضاء الليبي المفتوح ليمدّ يده، حريصًا على اتّباعه، وأن نكونه بدمج حساسية الشعور بالأشياء في الطبيعة مع عاطفة النص المرتبطة بكل حجرٍ وحيدٍ على حافة الوادي؛ في رعشة اصفرار العشب الذي يقاوم المناخ الجاف، في سرّ الجبال التي يسكنها حزنُ الأسلاف القديم، وفي كلّ المسارات المقدسة التي تنتجها الذاكرة الجمعية، والمعتقدات التي تمنح التضاريس خصوبةَ المعنى التي تتجاوز وظيفتها الطبيعية. تغدو ليبيا بكل تضاريسها المتنوعة وتاريخها الثقافي من هذا المنظور، بكامل دهشة مشهدها الطبيعي؛ وهذا الجيوبويتيكس الذي يخصّها يحفظنا من مركزية العالم الغربي، ومن مدننا التي خسرت مشهدها، ومن اندثار العاطفة التي تقودنا إلى الكتابة عن الحساسية الإنسانية عند المبيت في صحراء زلة قرب النار، أو عند تسلّق جبال الأكاكوس، أو السير نحو المجهول على جلد مساحاتها الصخرية في الهروج السوداء؛ للعثور على بوابة الوفرة بعيدًا عن منهج الدولة والمؤسسة العلمية المنغلقة، فكلّ ذلك فقط لمواصلة حسّية الاقتراب من المشروع الثقافي للجيوبويتيكس، والمادة الخام في شعبية الجغرافيا بصوت الناس في الروايات الشفوية الحزينة، والعادات الحميمة، والمفردات المحلية الغريبة. إنها جغرافيا الناس العاديّين الذين يصنعونها من أحاسيس الغناء، ومشقة الدروب التي يعرفونها دون خرائط، وبالأسماء التي لا تشبه القواميس؛ تلك الأسماء التي تنبت من حياة القرى والبادية والأساطير التي يحملها الرعاة في جيوبهم دون أن يدركوا ذلك. أولئك العاديون الذين يستعيدون الحياة بتبسيط العالم؛ هذه الاستعادة «التي تبدأ باستعادة حساسيتنا تجاه التفاصيل الصغيرة: حجر على الطريق، صمت شاطئ مهجور، أو غيمة وحيدة».

[1] Kenneth White, Le Plateau de l’Albatros: Introduction à la géopoétique (Marseille: Le Mot et le Reste, 2018).

 

حمزة الفلاح
كاتب و باحث