أكاكوس

في أقصى الجنوب الغربي من ليبيا، نُقشت أولى جمل الأرض. في تادرارت الأكاكوس تُقرأ الطبيعة بالظل، وبأخاديد الضوء التي حفرتها الرياح في الصخور. هناك، أعلى القمم، لا تكون الجبال مرتفعاتٍ فحسب، بل كائناتٍ تتنفس الزمن، والعزلةُ المهيبةُ كأنها رعاةٌ حجريون يحرسون ذاكرة الأساطير، والصيادين، والقطعان، والنساء الراقصات على ضفاف الخصوبة. عزلةٌ تحولت فيها الأجساد إلى رموز قبل أن يُخترع التاريخ من سيرة الإنسان البدئي في رحم الكهوف المظلمة، وأمام كل قوسٍ صخريٍّ كأنها بواباتٌ تقول إن الوجود لا يحتاج إلى ضجيجٍ كي يكون كاملًا. في تلك الجبال يعود الأصل الكوني للحكاية في حالةٍ من الترحال تُعاش على حدود الجوهر الكثيف للبداية، حيث لم يكن للحدود معنى، ولا للزمن سلطة، ولا للكلمات ضرورة.

الأكاكوس: نارٌ توقظ الحلم

جيل دولوز وفيليكس غاتاري لهما مقولة في كتاب ضد أوديب تقول: «ابقَ في الصحراء مدةً كافية، وستُدرك المطلق».

عشتُ مراهقتي وشبابي وأنا أنتظر رحلةً إلى الصحراء، هذا المكان المرعب والهشّ بطريقة مدهشة. عشتُ أحلم بأن أنام في هدب الريح، وأن أفهم معنى اللحظة غير المكتملة. لا شيء يعادل احتضان ذلك الاتساع الذي تستيقظ فيه الروح. هذا الجزء من بلادي يعرف معنى أن تغنّي أغنيةً حزينة تجعل الحلم ينتصر.

 

في يومٍ من أيام عام 2007، وجدتُ نفسي أنجرف، مثل قاربٍ ثمل، نحو الأكاكوس. كلّ الذين كانوا معي في الرحلة، التي تشبه الفناء المُبهر، أخذتهم الصحراء إلى حضنها المكوَّن من حبّات الرمل التي لم تتشكّل بعد. أخذ أحمد العبيدي الرائع على عاتقه تحقيق الحلم الذي سمع في قلبه قطراته وهي تتساقط.

خرجنا من طرابلس إلى غدامس، التي تعيش البساطة الكامنة في نبرة صوت الزمن. وهناك بحث أحمد عن دليلٍ يجعل الأرض تتحدّث بلغتها الخاصة. لم يوافق حسين، الشاب الصغير، على أن يكون دليلنا، الذي يسترشد بالشمس والنجوم، إلا بعد تناول وجبة العشاء معنا. لم يكن أمامه إلا أن يساعد هؤلاء التعساء على تحقيق حلمهم المخملي.

على طول الطريق من غدامس إلى غات، كان يقود السيارة في المقدّمة. (التويوتا ثعلب) تقطع الصحراء والعجلات الغارقة متّصلة بألف سحر في الأرض، ولا يوقفها شيء. لم يكن حسين يتكلم معنا؛ كان ينظر إلى الصحراء براحة، ويجلس بعد أن يتوقف صوت الشمس الشفاف، ومعه أصوات محرّكات السيارات. يأخذ نطعه بصوفه الأبيض الناصع، ويجلس عليه بعد أن يشعل النار، ويبدأ في إعداد كوب الشاي.

لكن هذا الحال لم يستمر طويلًا؛ فبعد جلسة وحديثٍ معه، وجدناه يرقص على أنغام الموسيقى فوق سقف التويوتا. لم أنسَ يومًا الأكاكوس، ولا حسين، الذي كتبتُ عنه بعد سنواتٍ طويلة، في عام 2024. كان أحد شخصيات روايتي «موت الآنسة ألكسندرين تين في ليبيا».

أتذكّر الآن اللحظة التي توقّف فيها حسين عند مدخل الأكاكوس، وصرخ: «هذه هي نقطة العبور من الأرض إلى السماء». نزلنا من السيارات ونحن في حالة ذهول، مثل من دخل إلى بابٍ سرّي معلّق في روح الأرض. أتذكّر أنني وضعتُ يديّ فوق رأسي، وفكّرتُ في الكيفية التي يمكن بها تصوّر هذا الجمال دون الشعور برذاذ ملح الدموع على شفتيك.

هكذا كان لقائي بتلك الجبال، وسماع إيقاعها الخاص. كلّ جداريةٍ وقفتُ أمامها كانت مثل صوت كمانٍ يخترق روحي مرةً وإلى الأبد.

الآن أتذكّر مقولةً شهيرة لن أنساها أبدًا: «إذا كنتَ تدّخر المال للسفر، فكم رحلةً قد تفوتك؟ كولومبس لم يكن لديه مالٌ للسفر، ومع ذلك سافر».


تادرارت الأكاكوس جبالٌ صخرية تقع في جنوب غرب ليبيا، وضمن الصحراء الكبرى. تُعدّ مدينة غات الأثرية أقرب المدن إليها. تُعتبر تادرارت الأكاكوس أقدم المراكز الفنية في شمال إفريقيا، وتقع في إقليم فزان الذي يتصل بطرابلس شمالًا، وببرقة جنوبًا، وبجمهوريتي النيجر والتشاد غربًا، والجزائر جنوبًا. تتسم أراضي الإقليم بطبيعةٍ صحراوية، كما تتوفر على العديد من الأودية والواحات، وتتميز المناظر الطبيعية لهذه السلسلة الجبلية بالأقواس الصخرية والأحجار الضخمة، ومن مواقعها المهمة قوس إفازاجار وقوس تن خلجة. تشتهر المنطقة أيضًا بكهوفها القديمة، كما أنها غنيةٌ بمجموعةٍ من النقوش والجداريات المرسومة، والتي أُعلنت من قبل اليونيسكو كموقعٍ للتراث العالمي عام 1985، لأهمية هذا النوع من الفنون الصخرية النادرة التي تعكس ثقافة وطبيعة التغيرات المناخية في المنطقة، والتي يعود تاريخ بعضها إلى أكثر من 12,000عام